…كان أبي - كغيره من الناس في ذلك الوقت - يؤمن بما كان سائداً من نظريات وأفكار بين أهل القرى، تجمع في مجملها على أن التعليم الحق وقف على الكتاب دون غيره. وأن المدارس الحكومية التي أنشأها الانكليز لا تعلم غير البدع والضلال ..عن القط والفأر والثعلب.. وراس روس.. هذا بدلاً عن تحفيظهم القرآن الكريم..! لهذا كان عسيراً إقناعه بجدوى دخولي المدرسة الحكومية لولا تلك الحادثة. من هنا يمكنك أن تدرك مدى حرج والدتي وهي تحاول مفاتحته في ذلك الشأن.
…بيد أن والدي - وهذه كانت مفاجأة لأمي لم تتوقعها - استشاط غضباً. لعن الكتَّاب وأصحابه. أمسك بيدي، وانطلق بي إلى دار الشيخ عبد الكريم، ليصب هنالك، وعلى رأس الشيخ أسعد (معاونه) سيلاً من عبارات التأنيب والتنديد. بل وليعلن على الملأ بأن ولده هذا لن يبقى في ذلك الكتَّاب بعد ذلك اليوم. وأن هذا الولد "خسارة فيكم بالله العظيم.. ". فأمثاله من النابهين لا ينبغي لمثل هذا المكان أن يحظى بهم. وهكذا خسر الشيخ عبد الكريم، بسبب الشيخ أسعد، أرغفة الخبز، وأعداداً من البيض المسلوق، ومواد غذائية أخرى كان يتقاضاها أجراً، بمثابة رسوم تعليم..!
…لم يكن أبي قاسياً تماماً، لكنه كان حازماً، فما أن غادرنا الكتَّاب، في ذلك الصباح، ثم يممنا شطر المدرسة الحكومية، استجابة لرجاء أمي، حتى أخذ يحادثني، لكأنما يحاول التسرية عني، أو إشعاري برضاه علي، لا أدري. مررنا بدكان البقالة لصاحبها (أبو العبد الرملاوي) الذي سرعان ما هب واقفاً، ليرد تحية الصباح بحفاوة واضحة، داعياً أبي لمشاركته تناول القهوة. ثم مررنا أمام دكان الحلاق (أحمد الجمل). وكان هذا منهمكاً برش الرصيف أمام دكانه بالماء، وذلك على الرغم من مطر الليلة المنصرمة. انعطفنا يميناً لنطل على الطريق العام. سألني عن موعد الامتحانات المقبلة في المدرسة. ثم ربت على كتفي، وهو يشدني بيده من كتفي البعيد عنه، كي التصق به، وهو يقول:
…- اذا كان ترتيبك جيداً فلسوف أشتري لك حذاء جديداً..!
…لم تكن فرحتي، عند ذاك بالهدية الموعودة بقدر ما كانت من أجل انفراج أسارير أبي.