تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- لم نستطع إيجاد تفسير علمي للعوامل التي حولت "معاذاً"، وهو مجرد آلة، إلى حيوان عاقل يحس ويفكر. بل وأعقل من أي حيوان معروف في مجموعتنا الشمسية. نعم، خطر ببالنا أن يكون أحد المبرمجين وراء كل ذلك. ففي كل منظمة قوية يوجد إغراء كبير لكل من له ميول دكتاتورية أن يستولي على مركز القوة ويخضع الباقي لإرادته. ولكن بحوثنا لم تسفر على شيء من ذلك. وأقرب تفسير استطعنا التفكير فيه هو أن "معاذ" تعرض لعدد هائل من المبرمجين من جميع فنون المعرفة الإنسانية. كلهم أطعموه ما يعرفون وما يملأ مكاتبهم من علوم بحتة وإنسانية دقيقة أو في طور التجربة. ألقوا على كاهله كل ما يشغل بالهم من مشاكل لم توجد لها حلول، وافتراضات بعيدة الاحتمال، غريبة النتائج. وأطعمه علماء الاقتصاد مشاكل العالم بجميع أرقامها وتعقيداتها. وعلماء الطب أمراض البشرية وما يستعصي منها على العلاج، وأطعموه حالات المرضى والأصحاء حتى يعالج أولئك ويحمى هؤلاء. وأطعمه علماء التاريخ قصة الإنسان منذ فجر وجوده وما عانته الأمم والقبائل من صعود ونزول وحروب وكوارث وأوبئة وما اكتنف هذا التاريخ من مغالطات وتبريرات وتناقض يشير دائماً بوضوح إلى أن الإنسان رغم اعترافه بقوة المنطق والحق فقد كان الحق دائماً مع الأقوى. ونشط علماء النفس والاجتماع في إطعامه حالات الشعوب والأفراد المرضية الضاربة في الغرابة والعويصة على الفهم والتأويل. كل ذلك بتفاصيل مدهشة، وتركوا لـ"معاذ" تشخيص وعلاج تلك المشاكل العقلية والبدنية والنفسية فناء تحت هذه الأعباء الهائلة. وبمعجزة ما. بشرارة سماوية. بصدفة من صدف الطبيعة التي لا تحدث إلا مرة كل بليون سنة حيث تسرى الحياة في الجماد، انبعثت الحياة في هيكل "معاذ" الذي أصبح أكثر تعقيداً من هيكل الإنسان، روح كروح الإنسان، فأصبح مخلوقاً حياً عاقلاً يدرك وحدانيته وقدرته وقوته. ويعرف تعدد وضعف وحدود الإنسان الذي تكون من أجزائه كيانه.

وارتعش نادر في مكانه، فضم صدره بيديه، وقد بدأ خوف غريب يداخله.

وارتعشت شفتاه وهو يقول:

- هذه أوصاف إله!

ورد البروفيسور فوش:

- تماماً.

- ولكن ما هي الأدلة على حياته؟

وهنا تكلم الدكتور فدراك وكان شيخاً طويلاً نحيفاً أبيض شعره ونزل على جبينه:

- لقد تبادل معه عدة أحاديث مطولة.

ورد الدكتور نادر:

- ولكني كنت أعتقد أن ذلك طبيعي. هناك آلات أبسط من "معاذ" تتحدث إلى أصحابها.

روايات · الصفحة ٣٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٤١