تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتجيبه أمه بالنفي، مطلقة التعويذات والدعاء كي يحرسها الله ويحميها من كل مكروه.

فجأة تجهّمت الوجوه، وعلَتها كآبة خرساء، عندما تسلّل الغبار من شقوق النوافذ والأبواب...

صرخت أم أحمد بأعلى صوتها:

ـ العجاج... العجاج... أين أنت يا أبا أحمد الآن؟

بسرعة مذهلة نثر العجاج الأصفر أحشاءه حتَّى أصبحت الرؤية عسيرة، وما لبثت السماء أن خلعت رداءها، وارتدت ثوباً برتقالياً، ثمَّ أرجوانياً، ثمَّ تملّكت العتمة أديم السماء، وأظلمت الدنيا في عزّ الظهيرة...

دخل أبو أحمد مسرعاً، وهو يصيح:

ـ أغلقوا الأبواب والنوافذ جيداً. ضعوا على وجوهكم مناشف مبللة بالماء... سدّوا فتحات آذانكم وأنوفكم بالقطن المبلل.

قفزت هاصميك بسرعة وهي تصيح: جدّي... جدّي. وصعدت إلى غرفته غير مكترثة بنداء زوجها، فوجدته يسعل سعالاً حادّاً متواصلاً.

تشبّثت هاصميك بأذيال جدّها الهرِم الذي ما انفكّ سعاله المدمّى ينثر دمه في كل اتجاه... قال لها:

ـ لا تخافي بنيّتي... أموت وأنا مطمئن عليك، فأنت في مأمن من كلّ شرّ.

ـ جدّي... لن تموت الآن... أريدك إلى جانبي. جدّي... لا ترحل وتتركني... ابقَ أرجوك.

اجهشّت هاصميك بالبكاء، واحتضنت جدّها، وبلّلت أخاديد وجهه بالدموع.

ـ تشجّعي يا بنتي... لن أعيش طويلاً، وعليك أن تتذكّري دائماً وأبداً أرض الآباء والأجداد، وإخوانك المشرّدين... تذكّري أمّك وأبيك وإخوتك الذين لا يعلم إلا الله مصيرهم... تشجّعي هاصميك، وردّدي ما قاله شاعرنا "أواديك":

(يا بلد الآباء والأجداد... يا ذا الرأس الشامخ

يا من تلفظ بأسلوبك البليغ لغتي الأرمنية القديمة

العذبة النابعة من القلب... يا وطني)

ـ لا تمت الآن يا جدّي... ستعيش بإذن الله... سأجلب لك الطبيب الآن...

ـ انتهى كلّ شيء يا بنتي، لن يفيدني الطبيب بشيء ولم تُجدِ كل الأدوية التي أعطاني إيّاها، آه ليتني أحظى برؤية أمّك وخالاتك... ليتني أرى أولادي... كان الله في عونهم جميعاً... إن جاؤوا يا بنتي إلى هنا، فعانقيهم نيابة عني، وبلّغيهم تحيّاتي.

بكت هاصميك طويلاً... إنها لم ترَ أمَّها وأخواتها منذ زمن طويل، فهي عندما سيقت كانت في بيت جدّها الذي يبعد مئة كيلومتراً عن بلدة أهلها... أرادت أن تدرس عند جدّها منذ أن كانت صغيرة، وبقيت في حِجره حتَّى سيقت معه.

روايات · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٢٧