من جهتي ما زلت في حالة استرداد التركيز في الشعور والوعي. وهأنذا مع لساني يتحرك، ولا أدري متى دخلت ذهني لما خرجت هذه الكلمة؟
ـ ((درا كولا)).
ـ ((نعم كل منهم دارا كولا لا يطيب له إلا شرب دماء الناس ودمار بيوتهم وقتل أطفالهم. و....))
واستفاض في حديثه عن ((درا كولا الجديد) المستسلم للشيطان كسفاح و.. ((ومع هذا يتبرعون للجمعيات الخيرية غسلاً للأموال. أموال النهب والسلب والمخدرات و...)) وطفق يذكر سؤاتهم وتملؤه رغبة جارفة في الكلام. كمن كان ممنوعاً عنه منذ زمن.
أرهقت أذني. عفواً وضعت يدي عليهما، كأن انطلق لغم، أو انفجرت جهنم.
نظرنا بعيداً حيث علا الغبار وملأ أجواز الفضاء. هو اربدّ وجهه وتطاير منه شرر الغضب. ((والكارثة والمصيبة، إذا بقيت البشرية تعدّ فقط، كم مرة يسلخ جلدها هذا الـ (درا كولا) اللعين))!
انفعلت مثله وصرت كمن شحن بهسترية غريبة. بصوت عال: ((بئس الحياة حياة يعيشها الإنسان مرعوباً مثل أرنب...
و:
(( بدلاً من أن يعيشها بأنسه وإنسانيته...))
ـ ((.....)). سكت وظل مضطرباً تعتمل منابع السخط في قسمات وجهه.
أكدت: ((الإنسان بأنسه وانسته. لا بوحشيته وبطشه)..
هز رأسه هذا ما نجترّه دون...)). ولم يكمل. ماذا أصابه اليوم؟ أول مرة أحسبه واقفاً على حافة انفجار لا حدود له. هل دنت ساعة ((القيامة))؟ عدنا والتفتنا إلى ذاك البعيد:
شريط القتلى والدبابات والطائرات والصواريخ والمدافع و.... الفتك والتدمير. ودك البيوت، وجرف الأراضي و...
سمعته يصرخ: هذا هو (درا كولا) العصر، وزبانيته أكلة لحوم البشر لا الحيوانات.
وظل هائجاً: ـ ((آه....!..... ناهيك عن.... أف من هذا العالم السفلي وقضاياه التي تقزّز النفس والعقل والروح ومليون أف...))!/ ثمَّ سكت لترك صدره يرتفع وينخفض.
أجبت: ((تراني أغلي كبركان جاهز)).
سمعته ينشد بيتاً من شعر أبي قاسم الشابي:
((ما هذه الدنيا الكريهة، وجهها ... حقّت عليها لعنة الأحقاب))
ـ ((هل ...))؟ / لم يدعني أكمل ونطق:
ـ ((لا تيأس)).
فطنت وانفجرت شفتاي بابتسامة: ((النفس الولية)). ضحك بملء فمه. أعجبته هذه... المثاقفة المكتسبة لي في آداب ((الحرفة)) ومنطلقاتها. ثمَّ نهض وقدّم لي كأساً ثانياً من الزوفى بكل ما عرف به من كياسة ولباقة واحترام.
حقيقة عندما يرجّع حديث ((الحياة الآخرة)) يزول لديه كل غضب وينشرح صدره غاية الانشراح.
*** *** ***
(15)
هل مرت علي سنون ضوئية أم سنون أرضية؟