وأنا أهبط عدت أشتغل بأفكاري، التي هربت مني صوب المدينة المتوضعة في الـ (تحت). طرت أنا وعيناي فوقها. شاهدتها تعج بالحركة والغابات الإسمنتية والسيارات. وصوته الداخلي يهتف بي: ((:كل شيء زائل على هذا الكوكب المنطفئ إلا (وجه ربك ذي الجلال). وكل ما تراه العين زائفة. عد إليّ))
توقفت وانبسطت نفسي مخيلة واسعة جداً. غزتني خلالها، أحلام زهرية اللون كجمام الورد. مخايل يقظة ورؤى نهار. هل يصلي الآن من أجلي؟ غفلت وأنا أمشي. قدماي تصعد لا تهبط. وتابعت بحيوية غير معهودة. اجتزت عقبات و نواتئ. من أين جاءتني هذه القوة؟
حاولت كبح عبارات الود، حين عبرت باب المعبد. كان الفرح يتقافز من عينيه كفراشات ربيعية. وصرخ: ((لا أقبل يديك، يا أسعد خلوتي ـ ((شطحتي)) ـ ))
وقفت مشدوهاً، مادّاً نظري نحوه.
أخذ يرتجف بكامل جسده. ((عذراً يا أسعد. النفس....))/ لم يلفظ الكلمة. بل تمتم: ((سأصليّ ثانيةً. صلاة الخاطئ تكفيراً عن صراخي بك. سامحني يا أسعد... صل في نفسك من أجلي لعل الله يغفر لي...)).
نطقت: ((الله غفور رحيم))
ثم استدركت، بعد أن عاد إليّ رشدي أكثر: أنت لم تخطئ معي وأنا لا أستأهل أن تطلب مني المسامحة... هذا كبير جداً علي)).
ثم افترشنا أرض المعبد وجلسنا مطرقين.
بادرني بعد برهةٍ: ((تلوت دعاء في نفسي تفكيراً ثانياً...))
سكت قليلاً واستأنف: ((إييه يا مبدأ الكفارة...))!
عاد وسكت.
من جهتي لا أدري لماذا نطق ذلك؟ ولا أدري ما الذي يقصده؟
ـ ((العالم، يا أسعد، قسمان...))
ثم عاد الوجوم يخيم ثانية.
بعد مرة، نطقتُ: ((يا... سعيد...)).
اتسعت عيناه: ((أهلاً وسهلاً بك في هذا المعبد يا أسعد)).
ـ ((أنا لست بضيف. أنا برسم تابع أو ....)).
وسرعان ما قاله: ((لا)). / ورفع كفّه بوجهي.
عدت وانكمشت. رجل ما زال له علي سيطرة وإهابة. تراه يحبس أنفاسي وأفكاري. ويحصي ما أضمره في داخلي.
ـ ((لو....)).
ـ ((لا)). كذلك لفظ حرف النفي. ورفض ما كنت سأعرضه عليه.
ثم تابع: ((لم أنزل وأشهدهم. أنا هنا معتصم في معبدي. وقمة جبلي)).
حقيقة. كان في نيتي ـ كما علم ـ أن ينزل إلى المدينة ويشاهد الناس عياناً فيها. ويرى عن كثب تلك الوليمة المدويّة التي ستقام في جمعية ((الرعاية الاجتماعية)).
ـ ((أعرف سلفاً سقطاتهم المرعبة... ومبدأ (....) شغّال عندهم دوماً على الدوام))؟
أجبت: ((يعني يجب أن تدفع الأموال بدلاً من أن تزهق أرواح النعاج)).