وبينما أفكر في العيار الثقيل مما سأسمعه، طفق ((الصوت)) يكرز بخطابه. التفت لأراه. أين الشخص المخفي؟ هي مطرقة تسمع وتنظر فقط:
ـ ((هذا من الخطاب الهرمسي المعروف)). سمعت منه هذا ثم سمعت شرحاً مستفيضاً لمقولات هذا الـ(الهرمس)، وتراه يؤكد. ((لقد أظهرت مقولاته عجز القياس الأرستقراطي عن الوصول إلى الحقائق الإلهية....))....
ولا أدري كيف لفظت: ((لماذا))؟ دون إرادة مني طبعاً خالفت وصية أم الخير، بينما أجابني الصوت: ((لأن الذات الإلهية فوق كل استدلال ومنطق)).
أم الخير بش وجهها ورمقتني بسرور. حتماً افترت شفتاها تحت اللثام. تابع الصوت، يوضح الطريق إلى الوصول إلى ((الذات الإلهية المقدسة)).
وهنا بالاشعور نطقتُ أيضاً: ((كيف))؟
الصوت: ((باتباع المسلك النسكي القاضي بتهذيب النفس، وبالورع والتقوى وسلوك الفضائل وعلى رأسها قوة الإرادة الخيّرة والصبر...)).
نبست هي بصوت لا يكاد أن يسمع: ((كل هذه الهدايات ستؤدي إلى ((الشهود)) والإشراق...))؟
ـ ((أجل يا أم الوصايا)). رد عليها الصوت. وتابع يشرح فضيلة الصبر وما تؤول إليه من نتائج ((إشراقية) لدى العابد الصابر. ((الناسك الصابر (السري). صبر وصابر طوال حياته يقاوم النوم، ولم يُرَ مضطجعاً إلا على فراش الموت....)).
ردت هي ((السري معلمنا)).
ـ ((نعم. هو معلم)). نطقتُ هذه العبارة بدوري. بينما استدرك الصوت:
ـ ((ناهيك عن فضيلة الصبر على الجوع.... الجوع عندهم مصباح القلب وطعام الزاهد...)) سكت. طبعاً هي استوعبت بدورها. هذه المعادلة الجدلية: ((الجوع يكون طعاماً).. وقالت: ((الذكر طعام العارف))
رد الصوت عليها: ((ثمة فضيلة للصبر على مخالفة الهوى)، يا أم الوصايا...
خفت صوته ثم ارتفع: ((يقال ((عندهم)) من خالف هواه، هو أعظم كرامةً من المشي في الهواء)).
بدوري أغمضت عيني وغبت.
*** *** ***
(13)
ـ ((انتبه)).
أوغلت النظر في صاحب الصوت، هو جالس في صدر المعبد، الشيخ سعيد نفسه.
تلمست هيكل جسمي. وجدتني جالساً قبالته على سجادته العتيقة العريقة.
ـ ((كنت تسمع كلاماً ((عالياً))....)).
ـ ((نعم يا .... سعيد)). وجفلت!
ـ ((سأكمل البحث))...