تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعاني لتناول وجبة طعام معه. حقيقة كنت مضنى وجائعاً من التعب والسفر. فالتقمت كسراً من الخبز الحافي وبعض الأدم المأخوذة من الطبيعة مباشرةً: زيت اللوز المر. الزعتر. السماق. وهناك إبريق كان يغلي بشراب النعناع البري والزوفى. ((أكل الجوع)) طيّب وشهي. مهما كان نوع الطعام. أراني انتشيت وعدت لذاتي. كدت أذوب فيها وفيما حولي من الطبيعة في معبد الجبل.

وأعذر إذا ما غبطت (الشيخ سعيد) وعشقه عزلته هذه هنا. الموحية إليه دوماً بانبعاث أفكاره الزاهية...

علم وابتسم. ثم سمعته يطلق كلماته بصوته الشجي: ((الطبيعة كلها زائلة وهي في كل لحظة، تتغير وتزول. فالثابت الخالد هناك)). وأشار إلى البعيد حيث اللون الأزرق المحيط.

ولا أدري كي نطقّت:

-((والموت))؟

-((هذا الهاجس يشغل بالك كثيراً. كنت قد طمأنتك قبلاً أن الموت انتظار. أي راحة من عناء الفانية. ونقلة إلى نعيم الباقية. يعني تبديل في جسد البشرية ككل. وفي الجهة المقابلة يعود حياةً.

إذن هو خلاص، ونجاة من عالم السراب إلى عالم الحقيقة. فالموت كمون لحياة جديدة. تماماً كفصلي الخريف والشتاء في الطبيعة. انظر الأشجار كيف تتعرّى بموتها. ثم يأتي الربيع بالولادة فالخضرة...))..

-((والأرض))؟

-((سجن))!

نطق هذه الكلمة، وتحرّك بكل جسمه. كأن حلّت فيه قوة غريبة.

هل استفززته؟ أم شدة دعاواه لحياة ما بعد الأرض دفته؟ ثم تعسفتُ عقلي أكثر، ونطقت هذه الكلمة:

ـ ((والإنسان))؟

لاحت لي شبه ومضةٍ. تشكلت ما بين حاجبيه:

ـ ((الإنسان رسالة، وحزمة أعصاب بمشاعره وعواطفه. يفرح ويحزن)).

ثم صمت كأنه أراد أن يستجم.

عادت وتتالت علي لحظات غائمة. كأن لف الجبل ضباب كثيف. لا بل لف ذهني شريط صور وأخيلة. نعمت بها في محادثته داخل عيني.

*** *** ***

حين استفقت. وجدتني في القصر. الرابية كانت تضّج بالشذا وعبق الخضرة كأنها استفاقت إثر يوم ماطر. جلسته ((التربيعة))، هي المعتادة على سجادته المهترئة، في غرفة الجمجمة. يؤدي في عزلته، تمارين اليوغا. ثم فترة التأمل. طبعاً يمارس هذه الأمور كسلوك طبيعي له.

وقادتني الذكرى إلى ما كان يمثل أمام عيني: البذلة الرسمية. والرأس الحاسر والجلسة نفسها.

وها هي ذات الجمجمة وكأن مر عليها دهر وكيست بغبار الأزل. تلجلجت: ((... أ...أ..))

ـ ((أنت خفت. هل يخاف المرء مصيره))؟

وأخذ يشرح لي بمنطقه الخاص عن مصير الإنسان القادم إليه خلال حجب الغيب مطبقاً في هذا الجسد الفاني...

روايات · الصفحة ٢٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٢٣١