وتأرجحت على عرناس دقائق أجزائي جذلاً وفكرت كيف هو يعيش بنعيم فضاءاته؟ حقيقة أجدني كمن انغمس في هالة بهاء باهرة تكاثف بها غبار الزمن وتراكم كديمة هاطلة!
*** *** ***
حين صفا الهلام. وثبتت الصورة. رأيتني في بهو قصر الرابية. هو يمشي جيئة وذهاباً، ويميس بقامته الباسقة. وبذلته المدعوكة، كرجل يحمل جبلاً من المآسي على كاهله.
حرك عنقه. ما الذي يحدث في داخل رأسه؟
أوقف صوته الداخلي. وأقبل عليّ (منرفزاً):
-((شخص يحمل كل السفالات. يصبح زعيماً في مجتمع. أو ملكاً في دولة ليعود، ويضوع منه بخّور الوطنية...))!
لهج نفساً حارّاً، وتابع:
-((ألا تحقّ المعارضة لمثل هذه الشرور))؟
استذكرت متابعتي لمقولاته..
ثم مشاركته ركيكة: ((المعارضة رسالة))!
عبسة قاسّية ارتسمت على وجهه الوضاء، لا أدري لماذا؟ في الحقيقة لا يتلائم معه العبوس.
تقدم مني، ووضع يده اليمنى على رأسي. ودار حولي ماذا يقصد؟ قال:
-((الحق معك يا ((عمي)) وبسبب ذلك سموّني بالمشاكس –كما تعلم-)).
ثم انحمق أكثر وكرّر: ((يا عمي، تراني، أجاهد وأجاهد وتبقى الرداءة ((طاغية))...)).
/صمت .
استأنف: ((أجل الرداءة)). وبوهيمية التقدم المزعوم، ليستا تحلان مصادفة في عالم هذا الكوكب الموازيكي. بل لها قوانينها وأسبابها..)).
وترك على شفتيه أثر ابتسامة أسيانة، عاملني بها.
التفت إلى معصم يده اليسرى: ((حان موعدي)).
قال ذلك بهبة: كأن اقتراب يوم الدينونة!
ثم دخل غرفة الجمجمة.
*** *** ***
بينما كانت قدماي تتعثران، بين السفح والسهل والرابية. وجدتني كمن لفّه لولب إعصارٍ، وحمله كهباء من ريش. أين عثرت على نفسي؟ فهأنذا في البادية.
تردد في أذني صوت عميق، كصدى قادم من تخوم الكون القصوى..
مشيت أتعقبّه فجاً أثر فج. الزرقة فوقي تملأ السماء. والخلاء السرمدي يرنو إلى الرمل بسديم أشقر كالذهب.
إنه الشفق!
وهبط المساء بكواكبه المعلّقة كقناديل الدراويش.
وحل الليل في بهرة الربدة شاعراً يلقي قصيدة. كلماتها نجوم أندلسية مزهرة..
لا بأس. رحماك يا ((ربدة)). هذا قدري أن أبقى الهث وراءه.
أخيراً تشخص القباء والعباءة والعمامة الخضراء. أما الوجه المنور لا يغيب فيه. يظل ذاته في مختلف الأقمصة التي يرتديها. هنا يعيش كالدرويش. رأيته جاثياً تحت مضرب خيمته يحثو الرمل حفنة حفنة لا أعرف لماذا؟ يبقى أمره سراً في صدره. إنما فاجأني لما رفع رأسه وأشار إلي بالجلوس: