ـ ((هَهْ... ! قرب وقته والله أعلم... اللهم اشهد أنني عملت، وبلغت..)). وصمت مطرقاً، كأنه يريد إنهاء هذه الجلسة. كما يريد أن ينهي حياته ((الأرضية)) بتلك العبارة.
نظرت من النافذة. كانت الشمس في الخارج قد استكملت نهارها. وابتلعتها شفتا السماء والبحر الداميتان. نظرت وكنت مفعماً كشاعر أخذ يستكمل، برؤى الصمت الكوني، مشروعه.
*** *** ***
(10)
لا انفكاك لي إلا أن أعود.
رأيته جاثماً بقميصه المعروف أمام خيمة.
ـ ((هذه هي الربدة، التي كنت قد عرفت))! / سكت مقطّباً. كأنه حبس في رأسه سلسلة من مشاجرات مفتوحة...
أفرجت شفتي.
وقبل أن ينطق أخذ يشرح مهمة من يعمل مصلحاً في هذه الحياة الأرضية ـ على حد تعبيره ـ ثمَّ خلص إلى ((أنه يحمل نعشه مجنّحاً نحو ذاك اللون الأزرق))...
ـ ((في القصر معارضة، وفي الربدة وجد وتوهج للمعارضة))...
حّرضته ثمَّ تركت الكلام.
ـ ((سأدخل كما دخلت قصورهم وأعارض وأقاوم...))
ثمَّ سرد علي حديثاً مطولاً عن القضايا التي تصدى لها في قصور الحكام والقادة كرجل مستجيب لدين الله ويعمل بوحي منه. وكيف ذهب إلى الحاكم وناظره وساءله. بل طلب منه كشفاً عن أمواله الحرام وأموال حاشيته، بجرأة نادرة. يجلجل بصوته كهزيم رعد. ثقة تامة في النفس، كمفوض من السماء! حقيقة قيل عنه بعد ذلك إنه صار يستقبل بعد ذل كفاتح، عندما يزور المدن، من الناس الذي كانوا يرددون أحكامه المشهورة، وقولاته في إحقاق العدل. حتّى طارت أخباره بمناظراته، في أصقاع البلاد، وصارت كأجراس تدق في الأذن نذير الخلاص. كما صار شعاره: ((بشر الكافرين...) نشيداً يردده الناس في كل مكان...
ثمَّ أعلمني أنه عندما يموت لم يجد له كفناً يكرم به بأمر من القادة الحاقدين عليه...
وفي هذه اللحظة، فطنت بأمر: ((أنت تعيش قميصك هذا بتولاً. أي لم تتزوّج))؟
ـ ((نعم))
ثمَّ أوضح لي انه أول من نادى بالزوجة الواحدة. فقط، لتحقيق العدل المطلوب في الكتاب. وكذلك أخذ يشرح لي عن تضخم الأنا الفردية والقبلية، في هذا العصر إذ انتقلت باتساع ورمها من الفرد إلى العشيرة. ((ليعود سلطان العصبية إلى الجاهلية الأولى والثانية، والأحزاب والتحالفات من جديد، من أجل التسلط على الرعية ونهبها...))
وضحك بابتسار ليخفي غصّة علقت بحنجرته.
أنا بدوري، بعد أن سمعت منه ما سمعت. فتحت يدي. كمن يأمل أن تتحقق أحلام يقظته.
أمعن نظره فّي.
ـ ((ثمَّ حكم عليك بالربدة)).