وضع يديه خلف ظهره ومشى أمامي يخطر بجبة من صوف. كان قد اتخذها رداءً له، بعد أن نزع بذلة الملك البهية.
تعجبت من لباسه الصوفي هذا؟...
يا..........
يا سعيد. /قاطعني فوراً. دهشت أكثر فأكثر، وأنعمت النظر في تقاسيمه وملامحه. فهو نفسه!
سألته: لِمَ هذه الجبة الصوفية، يا...... سعيد؟...
أجابني لإخماد حرارة الجسد بحرارتها.
المنطق السلكي ما زال نفسه. والنطق في منطقه ما زال واحداً. ثم لا أدري كيف أشرق في ذهني أن الصوف، سيغدو لباساً خاصاً لجماعة ((الحرفة)) والصوفية من ((الصوف))!!...
طبعاً علم ما خطر في بالي –كعادته-:
-((دعنا من اللباس الظاهري ثمة حديث أهم، من حديث الشكل هذا، ينتظرك، يامن تجشم المجيء إلى هنا.... حديث يدخل في الجوهر.....)).
لم يعد إلي رشدي بعد. ظللت تحت سيطرة ذهنية ((الانخلاع)):
((لماذا تركت كرسي الملك أيها السلطان))؟
كرّب قبضة يده، كأنه يكمش حفنة من روحه، ونطق: لا تقل ((السلطان)) ثم أراد الكل ترك الكل....
عدت وتذكرت هذه ((القولة)) وقد شاعت كحكمة في ربوع الزهد والورع.
وأيضاً:
((صار لي كل شيء بعد أن تركت كل شيء))!
وتابع كمصاب بحبس الكلام:
((كنت في سجن الملك والسلطان، والآن أعيش حريتي الكاملة، حرية الروح الأبدية....)).
((كنت تحكم الرقا.....)/.
ـ ((آه! لو يعلم حكام الرقاب مدى السعادة التي أحياها الآن، لتركوا عروشهم في الحال وتبعوني))!....
بعد أن ساد الصمت. استأنف:
ـ ((هل ثمة سعادة صفاء خالص كسعادة الرجوع إلى القدوس الرحيم))؟
ثم أخذ يدلي شيئاً من أفكاره الخاصة، مثل فكرة ((الموت قبل الموت)). واسترسل في حديث ذي مستوى عالٍ فهماً واستيعاباً. تراني ما زلت كالعاجز في كل (قميص)) يتخذه.
... وطرق أذني:
(الروح في حنين دائم، وميل جارف، من المحب إلى الحبيب ومن المنفى البعيد إلى الوطن الأول، الذي كان لها وخرجت منه. من الغربة في عالم الأرض إلى دفء الزرقة في العالم الرحماني....)
و: ((الوسيلة للوصول هي العشق الروحي الخالص، كالشعاع للحبيب))..
وأخذ يكرز على تنشيط النفس وتقويتها برياضة الجوارح، بالتواجد والتهجد.
وفي ((ترك الوساد، والالتزام بالسهاد))... حتى تتلاشى الحواس ويحل نقاء الوجدان....
((فيقترب السالك من مرتبة ((الوله)) الروحي. ثم مرتبة القرب والأنس))....... ثم النعيم الذي ما بعده نعيم! ((لم يخطر في بال بشر)).