تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيّ عشقٍ توهّج في قلبها؟! وأي سماء توحّدت في مقلتيها؟!

تلفّت يمنة ويسرة بهلع... كان الخوف يمتدّ أملاً حتَّى انتهاءات الوصول... اقترب منها كثيراً. أخذت خفقات الروح تزهو في خارطة الأحلام أقماراً. احتضنت كفّه كفّها، جرّها بهدوء، فتشبّثت برجل كهل ناهز السبعين عاماً؛ أخذه معها دون تردد، وقد عرف فيما بعد أنه جدّها...

أبو صادق الميكانيكي الذي جاء بلباسه الميداني الملوّث بالشحم والزيت مرّ مستعرضاً وجوه الرجال، وكانوا ينظرون إليه بدهشة، وعندما توقّف أمامهم أقبل عليه ثلاثة رجال عرفوا صنعته من لباسه. أشار إليهم أن يتبعوه، فساروا على عجَل، وكأنّهم يفرّون من الموت، أخذهم إلى ورشته الصناعية، فتعانقوا، وعانقوه...

أمَّا أبو سلطان الجابي الذي تأنّق عند حضوره، فقد تعلّق قلبه في أهداب امرأة وجهها شمس من عسل، وفي عينيها ذهول لا يُحتَمل... عندما اقترب منها كثيراً احتضنت طفلها الصغير وعيناها تدمعان... قبّل أبو سلطان طفلها، واحتضنه بحنان، وشبك أنامله بأنامل المرأة وسار بهما إلى بيته وهو يتمتم:

ـ إن لم أرزَق منها بطفل فسيكون ابنها بمثابة ولدي.

أمَّا أبو طارق فكان ينقّل عينيه، تارةً إلى ابنه طارق، وتارةً أخرى إلى وجوه الفتيات الأرمنيات. أحس بالغبطة عندما تقدّم ابنه إليهن، وزادت غبطته عندما أمسك يد فتاة جميلة ذات عينين عسليّتين ووجه مستدير لوّحته الشمس حتَّى غدا نحاسياً. يستر جسدها النحيل ثوبٌ أرجوانيّ ممزّق يُظهر يعض مفاتنها، تبث اللواعج شهقة، وتفتح القلب ابتهاجاً. اعتصر طارق يدها الناعمة برفق، وسار بها إلى والده الذاهل، قبّل أبو طارق ابنه، وخلع كوفيّته، ولفّ بها جسد الفتاة، وسار بهما إلى بيته والفرحة تغمره.

أمَّا المختار أبو عدنان فقد واجه الموقف بحذر شديد، ومع ذلك فقد انتقى عدداً من الرجال والنسوة والشيوخ أخذهم إلى بستانه الكبير الواقع في طرف المدينة الغربي.

ثمَّ جاء عدد من رجال الريف فاقتسموا من بقي منهم، وساروا بهم إلى قراهم مسرعين.

كان علي بك مسروراً لكل ما حدث، وقد سارع بمعونة التجار والمزارعين بإرسال المؤونة واللباس إليهم جميعاً. قال مفتخراً بهم:

ـ الآن صدق الوعد، وحلّت النعمى يا إخوتي... الآن أستطيع أن أفاخر بكم، فكل الشكر والتقدير لكم.

قال المختار:

ـ لا شكر على واجب، والله لقد ندمتُ لأنني لم أجلب المزيد منهم.

قال أبو أحمد:

روايات · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٦