جو كالح حالك كهذا تزيده الغيوم الكثيفة السوداء التي تبدو ساكنة بلا حراك وبلا نهاية قتامة وشحوباً.. ما الذي جعله يتجه باكراً إلى مكتبه، والمرور على صندوق البريد في مثل هذا الجو العاصف أمراً غير ضروري، وربما يثير الاستهجان أيضاً.. ولكن إحساسه الغامض بتوقع وصول بطاقات بريدية بمناسبة السنة الجديدة دفعه لذلك..
المدارس أغلقت أبوابها اليوم، وكثير من العاملين التزموا بيوتهم، أما هو فلم يأبه بغضب الطبيعة وجنونها ..
كانت سيارته ترتج بعنف، وأقل ثباتاً على الطريق تصارع الريح العاتية والرذاذ الثلجي على زجاجها الأمامي والماسحة غير قادرة بحركتها البطيئة على القيام بدورها تماماً، لماذا يحب الليالي الشتائية العاصفة ألأنها مختلفة وتعبيراتها العنيفة مظاهر احتجاج صارخة على الرتابة والهدوء والسكون؟ تذكر الأمواج العاتية التي اقتلعت كثيراً من المراكب عن مراسيها وبعثرتها على شاطئ فلنسيا محدثة فزعاً رهيباً، لا يملك أحد قدرة السيطرة على خوفه وهو يرقب المشهد من نافذة الفندق المطل على البحر الذي لا حدود لثورته المجنونة ..
وتخيل الساعات الرهيبة التي قضاها في الطائرة مع زميله مازن وهي تعبر بحر العرب، العاصفة الرهيبة كادت أن تحطمها، رغم الفزع الذي عاناه طوال الرحلة والتي جمدت الدم في عروقه إلا أنه ينظر إلى هذا الرحلة كتجربة مثيرة مرت في حياته لا يمكن نسيانها..
ضحك بينه وبين نفسه وهو يستعيد ما قاله مازن يومها:
تصور أن تهوي الطائرة في البحر مع حمولتها من العمال المهاجرين إلى الخليج وليس فيها سوانا غريبين عنهم، لن يذكرنا أحد سأروي لمؤنس القصة إن هبطنا سالمين لعله يستلهم مادة رواية ناجحة.. لا يعرف إذا كان زميله قد وفى بوعده ..
ترجل من سيارته والريح الثلجية تكاد تطيره من مكانه، ولف رأسه بالشال ودلف مسرعاً من باب مبنى البريد، فتح الصندوق على عجل وأصابعه ترتعش من البرد، كان حدسه صائباً، ثمة بطاقة بريدية ورسالتان، وضعهما في جيب معطفه وعاد إلى سيارته، فكر أن يعود إلى البيت ولكنه وجد نفسه متجهاً إلى المكتب.. أسعده أن يجد أمين الصندوق في غرفته، سيتسلم راتبه اليوم قبل نهاية الشهر فجيوبه خاوية إلا من بضع ليرات قليلة ..