كانت الرياح عنيفة عاصفة في الخارج وكان لصوتها الضارب في الأشجار فحيحاً خاصاً لا شبيه له أبداً يعيد إلى ذاكرته أيام طفولته، وحكايات جدته عن الغول الضخم الذي تطير نفخته الجبل وتنقله من مكان إلى آخر كثير من الأشجار العارية على جوانب الطرق انقصفت أغصانها الكبيرة وتبعثرت في المساحات الفارغة والزوايا الضيقة للأبنية، التي لم تستطع رغم ارتفاع بعضها الشاهق حمايتها من عصف الريح الغاضبة.. فيما يشبه هذا اليوم في صغره، كان يقترب من النافذة ويسحبها ببطء وصعوبة إلى الحد الذي يتشكل معه شقاً يكاد لا يرى، ما بين النافذة وإغلاقها، فينبعث صفيراً نحاسياً متعدد الطبقات يصغي إليه بشغف، ولم يترك هذه العادة التي دأب عليها إلا عندما خبطت النافذة وجهه و أسالت دم أنفه، بعد أن دفعتها الريح بشدة، لم يقو على التحكم بها، وكأنها تنذره بعدم العبث معها مرة أخرى.. لا يدري لماذا تبعث الريح في ذاكرته خواطر كثيرة..؟ والدته الطيبة التي ضمته يومها إلى صدرها بحنان بالغ وأنبته برقة ألا يلعب بالنافذة، ماذا لو انكسر زجاجها وتهشم على رأسه..؟ وأخواته اللواتي اجتمعن حوله يحاولن تخفيف ألمه.. لم تتمالك أمه من وقف ضحكتها وهو يقول لها.. غول جدتي غاضب اليوم، نفخته طيرت أشجار بيتنا.. كان مدللاً من والديه وكان يحس بذلك رغم تمرده أحياناً على إيثاره بكل شيء عن أخواته اللواتي لا يملكن القدرة على الاحتجاج، مما كان يزعجه كثيراً ويطالب بمساواته بهن.. لعله الإحساس بالتمرد كثيراً ما كان ينسب أخطاء أخواته إليه.. إن كسر صحن أو تلوث مقعد أو انسكب حبر على منضدة ..
هاهو وحيد الآن، ولسنوات طويلة لم يسمح له وضعه بالعودة إلى أهله ..