كان الشارع شبه خالٍ، بعض الطلبة الذاهبين إلى جامعتهم القريبة، وشاحنة عسكرية مكتظة برجال المقاومة تعبر مسرعة، ومخلفات المارة المتروكة على الأرصفة دون تنظيف بعثت في نفسه شيئاً من الكآبة خفف من وطأتها وجود سلوى إلى جانبه، ونسمة خريفية منعشة قادمة من البحر ..
***
لم يتوقف عامل فندق البرج المطل على النيل، من الترحيب به وهو يحمل حقيبته..أهلاً يا بيه، تفضل يا بيه، الغرفة جميلة ومريحة، ومن الشرفة ترى نيلنا الجميل.. وهو يرد عليه.. شكراً، شكراً.. كان متعباً، ولكن لم يكن لديه الرغبة بالاستلقاء على السرير في غرفته الأنيقة، ولم يخلع ملابسه بعد الرحلة الطويلة، خرج إلى الشرفة الصغيرة فلفحته نسمة باردة منعشة، وتراءت له أضواء المدينة الساحرة،وانعكاساتها على مياه النيل الجارية، بصمت أبدي.
كان اندهاشه كبيراً، وكأنه طفل صغير يرى البحر لأول مرة .
أخذ نفساً عميقاً، وشعر بانشراحٍ طاغٍ، وسعادة غامرة أنسته تعب السفر.. أعجبه دماثة عامل الفندق ولطفه و قوله سترى نيلنا الجميل.. من حقه أن يقول ذلك فكل مواطن يعيش على الأرض المصرية يعتبر النيل ملكه، خاصته، ربما من بداية التاريخ وحتى نهايته، إن كان هناك نهاية، إنه رمز خالد بالنسبة لهم من حقهم أن يفتخروا بذلك .
لم يمل النظر والاندهاش وهو يملأ عينيه بسحر النهر العظيم .. ولم يعبأ بمرور الوقت وقد قاربت الساعة العاشرة ليلاً ولم يتصل بزملائه بعد يعلمهم بقدومه، فهو يعرف أن الطلبة نادراً ما ينامون باكراً،سيتصل بهم في الحادية عشرة.. فزحمة الطرق تخف قليلاً رغم معرفته بأنهم يسكنون بعيداً عن وسط المدينة.. أدار قرص الهاتف وطلب فنجاناً من القهوة، لا أجمل من أن تحتسي القهوة على شرفة تطل على النيل العظيم.. غداً سيكون يوماً متعباً، عليه أن يهيئ نفسه، ويعد كلمة مكتوبة، ولكن لا ضرورة لذلك فهو قادر على الارتجال والإقناع، و لن يفوته شئ، وهذا برأيه اكثر تأثيرا في الآخرين.. عليه أن ينتزع اعترافا بمنظمته الطلابية كممثل شرعي لشباب الأردن من مندوبي اكثر من خمس عشرة منظمة شبابية عربية.
احتسى فنجان القهوة بتلذذ، تمنى لو كانت أميرة برفقته..