تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الرجل:

-لا تُدخلي إلى معرض الخزف ثور السماء.

قالت المرأة:

-أخذتنا البلاغة بعيداً عن المرغوب.

قال الرجل:

-رجل من سفلة الناس، افتتح "شايخانه" في زاوية من زوايا سوق الصاغة عن عمد، باع شايه الخادر للجوالين والعابرين، عشق بريق الذهب المجمر، ورائحة المكان الحافل، وببطء تسلل إلى الورشات، فعايش الصناع المهرة، وسقاهم من شايه "ببلاش"..، ليس حباً، أو حماقة، ولكنه كان يدهن أعقاب الكؤوس بالسكر الدبق، وآخر النهار يجمع ما علق بها من شذرات الذهب الذي جمعه الدبق من الطاولات، ويوماً بعد يوم تجمع لديه من الذهب ما يكفي لافتتاح محل للصياغة،... رجل حوّل الماء إلى ذهب وهي كيمياء السفلة.

قالت المرأة:

-تلك شذرات السوق.

قال الرجل:

-جاءني في الليل، دلق زيته على رغيفي، ثم رشه بالصعتر والسمسم، ومضى وحيداً مثل شمعة في رواق ظليل.

قالت المرأة:

-لا تفضح المستور.

ودارت المرأة حول نفسها، دارت حتى تحولت إلى شجرة نضرة، وتحول الرجل أيلاً بقرون شجرية، يلس أوراقها الخضراء قبل أن يفاجئها الذبول، فتعرى في الخريف القادم، أما الكف البيضاء فأعادت إغلاق الباب مرة أخرى، وقد اجتمع لديها فيض من الأصوات، والحركات، والخطوات المهادنة، فأصبح الزقاق أليفاً إلى صدرها المترع بالحليب والرائحة والبياض، فعادت إلى غرفتها، تشرع النافذة على نور الشمس بشجاعة تحسد عليها، ولم يك لديها شك بأن الكوابيس لا بد ستزورها قريباً.

*الظهور الثاني:

كان الرجل ذو المعطف الرمادي الفاهي

يعبر الحديقة كقناص على عجل، يرتجف من البرد، والوحدة، والحصار الذي يخترق عظامه الهشة، وقد أحنى ظهره حالماً بليلة سعيدة، قدّم لها بمقدمات قاب قوسين من النجاح، فلقد أشعل شمعتين لبلاهة النهار، ورقش تعويذة على جلد غزال بريشة حمام بري، ثم لونها بألوان لا يذكر من أين جاء بها؟! وفي ظل بخور أعده وفوّحه مع رائحة القهوة والهال، طلب رقماً هاتفياً لامرأة كانت مشغولة في منزلها بأيقونة سورية على زجاج معشق، تتقراها بأصابعها الرشيقة، فتتوهج الألوان معمدة بالزيت، والزيت بركة.

قال الرجل:

-متى.. يا امرأة؟

قالت المرأة:

-ماذا يا رجل؟!

قال الرجل:

-تكونين وردتي.

قالت المرأة:

-وتكون شوكي؟

قال الرجل:

-أنت يمامتي الزرقاء.

قالت المرأة:

-وأنت؟!

قال الرجل:

-كوني نبيذي.

قالت المرأة:

-ولتكن دورقي.

قال الرجل:

-لك رائحة الحبر.

قالت المرأة:

-ويلي منك، وويلي عليك يا رجل.

روايات · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٣٧