اختفى القمر من حياتهم، وارتفعت السماء ولم تعد تطل عليهم وتضحك لهم إلا وقت " الفورة ". الأرض سورت بجبال عالية والبحر مرتع لأسماك القرش. مهما حاول الهرب فالسجن وواقعة المر يلاحقه. الأوامر .الإفطار والخدمة الذاتية والتنفس والتعداد الصباحي والتعداد الثاني ومساءً التعداد الثالث. الساعة العاشرة ليلاً تنطفئ الأضواء داخل السجن وعليهم النوم. الصراع مع إدارة السجن يومي بل كل لحظة .الإدارة تنظر إليهم كعبيد وهم ينظرون إلى أنفسهم أحراراً يصنعون الحياة ويساهمون في كتابة التاريخ. بينما السجان مأمور منفذ، هادم للحرية وللذات ومدمر لحياة البشر.
زيارات الأهل لسجنائهم مقطوعة طوال فترة الإضراب وبعده بأسبوعين. أول الزائرات آمنه خليل التي جاءت والبسمة مطرزة على شفتيها. قالت لأبنها بمرح :
- خطبنا لك هدى يا ولدي .
- أهي تحبني؟
-إنها لا تحب سواك. تسألني عنك وتتابع أوضاع السجناء، أطلقت أمها زغرودة عندما فاتحتها بالأمر، أما والدها فرحب وقال " على بركة الله " وقرأ الفاتحة .
اختفت ممارسات السجانين، ولم ير إلا الناس الطيبين، الطيبون لدرجة البلاهة، هؤلاء الناس لا ينقصهم العزم بل القيادة. يمشي القائد على الجمر، فيطير الناس خلفه على النار ويحلقون في الجو، ينقضون على الخطر، وإذا مشى فوق الماء يسبحون أو يغرقون لا فرق. لقد وافقوا لأنه وطني. طار من الفرح، عاد إلى الغرفة، استقبلوه عند بابها، وضع الهدية جانباً والابتسامة العريضة تتحدث نيابة عنه، سألوه: ماذا حدث ؟
قعد وتفحص وجوههم واحداً واحداً، شعر أنه يحبهم جميعاً، جلسوا حوله، تراءت له الشمس في كبد السماء من الطاقة الصغيرة، والأرض لشدة حرارتها تنشر لهيبها. السجان طلب سكوتهم وإلا فالعقوبة لكل من في الغرفة .
أجاب والسعادة تغمره: لقد خطبت .... خطبت أمي الفتاة التي أحببتها.
- مبروك، إن شاء الله مبروك ... مبروك ... ألف مبروك !
تحركت الألسنة في الأفواه وانطلق ما يشبه الزغاريد، بينما الشمس تميل إلى وسادتها البحرية، تنحدر أكثر فأكثر غرباً. قام الشيخ عباس توضأ وصلى العصر. ثم قال: سنحتفل هذه الليلة بالمناسبة السعيدة .