- كل جبهة وحركة ستفرز حزبها، فأيهم هو الطليعي ؟
- هذا يتأكد بالممارسة .
- سنعطيك ورقة تسجل فيها معلومات عن تنظيمكم والقواعد التي تعرفها وأسماء المخربين وأسماء قياداتهم .
- الذي تطلبه كثير على جاسوس أن يقدمه دفعة واحدة!
- أنت أبو عبابة تقدم ونحن نقدم مذكرة إخلاء سبيل.
- لن أفعلها
- ستندم يوم يصير واحدكم اسماً بلا مسمى، بلا مدلول كأي اسم آخر .
في كل يوم كانوا يخضعونه لتحقيق جديد ومعاملة قاسية، جاؤوه مساء بحقنة لتعطيله جنسياً، تضخمت خصيتاه لساعات، ثم عادتا لوضعهما الطبيعي، بعد أربعة عشر يوماً قدم إلى المحكمة العسكرية في رام الله. طلب القاضي تمديد توقيفه ووضعه في سجن عادي فحول إلى الرملة.
- الفصل السابع عشر-
لا شيء في نفحة تغير، تتعاقب الفصول والعجاج لا ينقطع، حتى في فصل الربيع حين تنهض بعض الأزاهير والأشواك البرية من سباتها وتحاول أن تغيّر اللوحة وتضفي عليها شيئاً من الجمال، تنكفىء تحت ذرات الهبوب. هذه الرياح التي تصول وتجول لتَهَب زفير الطبيعة وسوافيها لذاك السجن، أكوام الرمل تتحرك وتتوقف أشبه بقافلة نالها الكثير من التعب .
الهباء بفعل رعونته وقسوته واصراره على تعكير الجو يشكل تعرجاتٍ وأكواماً متناثرة. يأخذ بعض أشكال المجسمات حين تتوضع الذرات بعضها فوق بعض، فتغطي جزءاً منه، تتلبس القسم الباقي في حركة زاحفة لا تنتهي، فتختفي بعض الصخور وتمتلىء الحفر تراباً شديد الشبه بالمد البحري العنيف الذي استطاع فرض رماله بقوته على الشاطئ، لكن هذه الحالة لا تدوم، ففي رحلة هوائية تالية تأخذ شيئاً منه. تكشف الطبيعة عريها محاولة التأثير في شكلها وفتح بعض التجويقات النخر .
عاد السجناء إلى نفخة فاستقبلتهم بالوهج، فتحت حضنها ونثرت الجمر والنار في كل مكان، جمر يجعل القدور تغلي ولهيب يجعل الأجساد تفور عرقاً، عادوا وهم حائرون. هل نجح الإضراب؟ موت اثنين في بيت معتسار جعلهم يعتقدون أنهم خسروا كثيراً. أثنان لا أحد يعرف اين جثتاهما، هل دفنتا؟ أم مازالتا في المشرحة؟ أم ظلتا وسيلة إيضاح؟ بانت التلة، إنهم يقتربون ببطء من السجن. كل شيء ساكن، بينما النيل يفيض غامراً صدورهم ووجوههم، تحول ماؤه إلى دبق زادت ملوحته مع كل فيضان. حركوا أيديهم في محاولة للتخفيف من خطر الفيضان وتحريك الهواء الساكن.