كانت هذه الإشارة كافية لإعادة كنار قلبها إلى الزقزقة وعطرها إلى الانتشار، وألوان شفتيها وخديها إلى الظهور. بدأت الموسيقا تدق في رأسها، صوت ناي له نغمتان متناوبتان. رائحة التراب والأرض التي اشتاقت إلى الماء. مشت على غير عادتها بغنج ودلال لم تفعله طوال حياتها، وضعت يدها بيده وهمت بتقبيله والبوح بأسرار لا يعرفها أحد، هل تبوح بسهرها وشوقها وخوفها؟ ضغط على أصابعها، كل شيء فيها بهي كالزهر، غض كالنعناع، مطواع كغصن اللبلاب. أضاء القمر الدروب أمامهما، حدثها عن التنظيم ،عبست. نظرت باستحياء كمن فعل شيئاً شنيعاً. وقفت أمامه شجرة برتقال فتية تحمل فاكهة وزهراً. قالت: هيا إلى الاجتماع .
آخر مرة رآها أدركت بحاستها الشامية، أن كلاً منهما ذاهب في طريق وأنهما يقفان على المفرق. قالت: ستذكرني!
- لن أنساك يابنة الرغوة!
هم بوداعها وتقبيلها، تراجعت وأخرجت طوقاً من محفظتها، مالت إليه ووضعته في يده. نظر إليه راقب اختلاجات جسدها الحبور للحياة، ضمها إليه، ارتفعت أشعة الشمس مقدار عشرة أمتار، نادى على صاحبة الغرفة، دفع الأجرة وأعطاها المفتاح وودعها .
منذ ساعة اختفى القرص في البحر، وصلا مكان الاجتماع، مالت إليه وقالت :
- متى ستلتحق بعملك الجديد في بيت صفافا .
أجاب عبلة :
- في السابعة صباحاً سأكون بانتظارك، نذهب معاً.
حركت فيه رسالة الشامية كوامن العشق، تعيش معه لحظة بلحظة، أشعل الضوء، بحث عن قلمه، لاشيء سوى صوت الصراصير وحديث الحارس مع رفيقه، نبههما إلى ضرورة اليقظة، ووضع شريطاً لأم كلثوم في المسجلة، أخفض صوتها، الآخرون ينام ولن يزعجهم، تناول القلم.
الصديقة وصال :
لا شيء هنا يجري كما نريد، الأحلام الغضة التي قفزت إلى ذاكرتي يوم كنت في دمشق تبخرت. المسافة التي كنت سأقطعها مشياً، عليّ أن أهرول الآن لألحق بالزمن، فقد سبقنا. لا شك أن الحلم ترعرع في ضلوعنا حتى استطاع أن يجد مساماً وصل عبره إلى الفؤاد.
هل أبوح بالحب الذي لم يجد واقعاً يحتضنه، حبنا يابنة الرغوة أكبر من المكان الذي نحن فيه، لقد دمر " الاسرائيليون " كبرياءنا ورجولتنا، هل تعرفين ما معنى أن ينتصروا ونهزم !