تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جلس في الخيمة، كان القمر واطئاً، يكاد يدخل، ويشاركه في فرحته التي لا تحدّ، فلقد آن الأوان لاستقبال نتاح ما انتظره طويلاً، وقد فاحت من حوله رائحة الأنثى المنجبة، فردّد:

-مولاي.. حان الوقت..

وحين أغمض عينيه، عبر في باله قطيع من الجفاري يتقافز حوله في مرج من الخضرة والماء، واللقالق تأتي من بعيد، لتقف في الماء بسيقانها الطويلة، ومناقيرها، وكأنها نياشين للهباء.

الزمن يدبّ كحصان هرم، بطيئاً وصانتاً.

والرجال متعبون، الخواء ينخر أرواحهم، وقلوبهم فارغة، لا حركة، ولا رعشة، فلما شاع اكتشاف القصر بينهم، دبَّ سرور فاتر، وشعور بالبهجة في نفوسهم، يدفع عنهم العفن الذي ران عليهم، ويعيد إليهم بعض الثقة المفقودة، ففارقتهم الحركات الخرقاء، والتصرفات الحمقاء، فهذا القصر مظهر من مظاهر السلطة، وهو حقيقي وقائم فعلاً، فلا بدَّ من أناس.

-لعل ليالي القصر القادمة تعيد إليَّ مولاي.

قالت جلنار، وهي مرميّة مهملة في الخيمة.

-نسيت صوتي.

دمدم إياز الغلام، وعيناه عالقتان بالفراغ الممتد.

وهناك عند النهر، كان الوضع مختلفاً، فالحرسي الكهل شيركو، منذ أن وصل أعلن الحرب على هذا العبث، والصمت، فهو خبير، تدرب، ومارس ذلك في معاركه، فالفارس إذا لم تشغله؛ وتملأ فراغه، فسد كقطعة الجبن، وقد جمع عناصره منذ الصباح الباكر، وخطب فيهم قائلاً:

-اثنان لا يصلحان إذا فسدا يا أولادي، الماء والإنسان، فإذا ركد الماء فسد. وإذا خمل الإنسان فسد، فليس أمامنا سوى الحركة، فالحركة ولود والصمت عاقر، من هنا سيكون شعارنا: مزيداً من النشاط...

ثم ختم الرجل كلامه الطويل ونصائحه:

-سنبدأ بناء سيباط واسع وحظيرة، فالخيمة لا تطاق.

وعلى الفور بدأ العمل، فاستطلع تلَّة مشرفة على النهر، نظفها العناصر من الحجارة والعشب والشجيرات، ومهدوا أرضها بهمَّة عالية، وهم يغنون، ويضجّون بالصخب والضحك.

-احرصوا على أن تكون جذوع الأشجار مستقيمة.

نبّه شيركو الكهل، والرجال منهمكون في أعمالهم، عرّوا أجسادهم حتى الوسط، وفاحت رائحة العرق والحياة منهم.

-سيكون قصراً ملكياً.. يا سيدي.

صاح حرسي شاب.. فأجابه شيركو:

-سنحوّل المكان إلى جنة.. ونبنيه بالحجارة والطين.

وبعد أسبوع كان العمل قد أنجز، فوقف شيركو يعاين الأرض النظيفة، والمساحة والواسعة، والإطلالة الرائعة على النهر المتدفق أمامه، وفجأة تابع:

-يبدو أننا سنستقبل ضيوفاً اليوم.

روايات · الصفحة ١٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢٨