تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخفض عدد كبير من الرجال رؤوسهم، وقد وقع هذا الخبر وقوع الصاعقة، فهم يتحسبون لما ستؤول إليه حالهم، وهم في ظل حكم يبغض الأرمن، ويعمد للانتقام منهم لوقوفهم إلى جانب أعدائهم، كما أن التكلفة المادية ستكون باهظة، إضافة إلى عدم سعة بيوتهم وما إلى ذلك...

رفع الرجال رؤوسهم بعد لأي، ونظروا في عيني علي بك ملياً، فهزّ لهم رأسه الصغير بأسى قائلاً:

ـ أعرف بما تفكرون، والشاعر يقول:

شاور سواك إذا نابتك نائبةٌ ... يوماً، وإن كنت من أهل المشورات

يا إخوتي ما جمعتكم إلا من أجل المشاورة، وأعدكم بأنني وأخوتي الملاكين والتجار لن نتخلى عنكم مهما كان الثمن...

الأرمن شعب طيب، وذكي جداً. يستطيعون التأقلم بأي جو يُفرض عليهم... فكروا جيداً، ولا تخافوا أحداً، وثقوا تماماً بأنكم ستُرزقون بسببهم، وسيهلّ الخير عليكم من كل مكان.

قال كبير الملاكين:

ـ يا إخوتي لن نبخل عليكم بالمال، سنتكفل بمساعدة من يُؤوي الأرمن، وستصله الإمدادات إلى بيته دون معرفة الآخرين، واعلموا بأننا سنأخذ عدداً كبيراً منهم إلى القرى والبادية، ولن نترك لكم منهم إلا من ترغبون بإيوائه.

قال المختار:

ـ لكن الخوف من عيون الوالي المبثوثة في كل مكان، وكما تعرفون وراءنا أطفال ويتامى وأرامل وعجزة بحاجة ماسَّة إلى رعايتنا.

قال علي بك:

ـ أعرف ذلك جيداً، وأعي كل كلمة قلتها يا مختار، وأقول لكم اطمئنوا، فلن يصيبكم مكروه بإذن الله ما دمت حيّاً.

قال أبو ياسين بعصبية:

ـ أنا ليس لدي ما أخسره، أو أخاف عليه يا علي بك، اعتبرني أول المتطوعين لهذا العمل النبيل.

صاح أبو طارق بحماسة:

ـ وأنا الثاني بإذن الله.

صاح أبو أحمد:

ـ وأنا الثالث إن شاء الله.

تعالى صياح الآخرين، ثمَّ وقف المختار قائلاً:

ـ بإذن الله سنكون عند حسن ظنّكم.

صفق علي بك والحاضرون طويلاً، ثمَّ قال:

ـ الآن ارتاحت نفسي... بارك الله فيكم، وسنحتفل الليلة بهذه المناسبة السعيدة.

رفع الواقفون والجالسون رؤوسهم عندما فتح الباب، وتمخض عن رجال يحملون أطباق الثريد، وعلي بك يشير إلى أماكن وضعها ويعطي توجيهاته إلى الرجال بجلب المزيد من المرق واللحم...

كان الطعام شهياً، والمضيف كريماً، لم يهدأ طوال الوقت وهو يفتت اللحم ويصنعه أكواماً أمام كل واحد... يضيف المرق على الثريد من آونة لأخرى، ويقدم اللبن وأعناق البصل والفجل، مردداً عبارات الشكر لله.

قال كبير التجار:

روايات · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٢