وسرعان ما انكشفت الزوبعة، فتنفس الرجال الصعداء، وبدؤوا في تفقد ما حولهم، فلم تكن هناك خسائر تذكر، أمَّا الباشا، فقد أدار بصره، يستطلع الوجوه، فلم يجد المملوك الشاب.. فصاح:
ـ لقد فعلها الثعلب الصغير.
ثم خاطب كبير حرسه، وقائد عسكره:
ـ أين أوقطاي يا قره يوسف؟!..
ـ مولاي..
ـ أدركه.. فلن يكون قد ابتعد كثيراً.
وانطلق قره يوسف مع فارسين آخرين في إثر المملوك الشاب، بينما وقف ا لركب للراحة والصلاة.
ـ لا يفعل ما فعله أوقطاي إلا عاشق أو مجنون.
قال اسماعيل الخازن لخادم الباشا العجوز... فردَّ الرجل باستنكار:
ـ أكان لا بدَّ من دم؟!
ـ تلك طبيعة الذئب الأغبر.
ولم يمض وقت طويل، حتى عاد الفرسان بالشاب مكتوفاً، ثم وقفوا أمام الباشا، الذي اقترب منهم، وقد تركزت عليه عيون الركب بكامله، وبسرعة خاطفة، استل سيفه، فبرق في ضوء الشمس بشكل خاطف، ثم أطاح بالرأس، فاندفعت نافورة من الدم، تعمَّد أرض الحماد العطشى، بينما تدحرج الرأس بعيداً، أعقبه سقوط الجثة عن ظهر الحصان.
حينذاك، خفقت القلوب، وارتعشت الأجساد، ولم يصمد إلاَّ قلة من المجرَّبين، الذين عايشوا الباشا في حروبه وغزواته، وقد أعلن اسماعيل الخازن التوقف، لتناول الطعام، بأمر من جناب الباشا، وكأنَّ الباشا بذلك، يريد استكمال حالة الرعب بتلك الضربة البارعة.
***
تحمَّل الركب مرَّة أخرى.
وسط صمت خانق، وخوف من رشاش دم وضحيَّة جديدة، حلَّقت فوقهم بعض طيور الحبارى، فاستبشروا بهذا الطائر، وتابعوا طريقهم، ثم مرَّ بهم سرب من اللقالق البيضاء.
ـ بات الماء قريباً.
قال اسماعيل الخازن.. فردَّ الخادم العجوز:
ـ عندنا من الماء ما يكفي.
ـ الماء يعني وجود الناس، وأنت تعرف ماذا يعني وجود الناس؟
ـ ما عدت أعرف شيئاً سوى أن هذه القافلة يقودها الشيطان إلى الهاوية أو إلى الجنون.
ـ بدأت تخرّف يا رجل؟
ـ الخرف رأس الحكمة في هذا الحماد.
ـ إنَّا للّه..
وفجأة لاح لهم وسط منبسط من الأرض بويتات من الشعر، تلطأ تحت أسوار مهدَّمة، تحيط بأطلال مدينة، كانت يوماً ما مأهولة.
ـ الرصافة؟!
صاح قره يوسف بابتهاج، فسأله الباشا:
ـ وكيف عرفت؟
ـ وهل من عمارة سواها في هذا الحماد يا مولاي؟!..
ـ وهؤلاء البدو؟
ـ أناس بسطاء طحنتهم الحروب والفتن، فلاذوا بالخلاء فراراً من الحناشل والخوارزميّة والقبائل القويَّة.