- أنت لا شيء، عليك أن تنسى اسمك وتاريخك وتكف عن الأحلام .
- تستطيعون فعل كل شيء إلا ذلك .
- هل يفارقني لحظة، حلمي هو حياتي .
الدم حار ومالح، خدر، تنميل، فقدان الألم والغيبوبة. بدت قدماه وكأنهما محروقتان، لا يستطيع المشي، حتى إذا وضعهما على الأرض، أحس بالوجع والألم الفظيع الذي ينطلق إلى رأسه. يقف، يكشف عن أعلى قدمه، يمشي ويده على الجدار، بضع خطوات ثم يجلس على الأرض، ليعيدهما إلى دلو الماء البارد .
كان شعاره من أفشى بسر، سهل عليه الإفشاء بغيره. اصمد، تحمّل للضرب والعذاب نهاية. الصمود وشرف المقاومة وإثبات الذات، العرق يتصبب من جبين معذبه، يداه تؤلمانه لكثرة الضرب. عيناه لا يظهر سوى بياضهما. النظرات تتحدى، تراقب. عيون الجلادين تشتعل حقداً، عيناه لا ترمشان .
ليل مرعب دامس، أوقات حزينة تمر في الذاكرة كل دقيقة، سجلت خلال أيام قليلة عذابات لا يستطيع البشر تحملها، عذابات تمارس ليلاً ونهاراً، الشمس ترسل أشعتها لتكون شاهدة، تلف دورة كاملة من جديد، تجدد لهيبها. الألم ينتقل وينتقل في جسده، عبر دروب تزرعها الضربات والركلات، فما من بقعة في بدنه إلا وصافحت جارتها معلنة خجلها وضيق تنفسها وإزرقاقها وتحجرها أو انفتاحها ساكبة أرجوانها. دفعته هذه الأيام لتجديد حياته واستعادة ماضية، لديه ألف سبب للصمود، خاطب ذاته وهو في قمة ألمه، لا بد من الابتسامة وخلق السعادة وإلا فالحياة تفلت دون رجعة، واليوم الذي يمضي لا يرجع. يكفيه من السعادة أنه مازال صامداً، وأنه قادر على الحركة ومغازلة الشمس واستحضار الزمن، قهقه وهو ينظر إلى معذبيه، ويرثي لحالهم ومستقبلهم. لو عاملوه بشكل جيد واحترموه، لأعاد النظر في المقولات التي تعلمها، لو طبقوا المبادئ التي يتلفظون بها من الحرية والديمقراطية لكان حزيناً! لأن من يتصرف بمثل هذه الثقة يكون واثقاً من ذاته ومبادئه.
أمضى أيامه في مركز الاعتقال بعزلة تامة، لا يسمع خبراً ولا يقرأ صحيفة ولا يعرف مالذي حل برفاقه، ولا مع الذي ظلوا وراء النهر، ينتظرون أن يبني تنظيماً أن يحقق شعار حرب الشعب، تساءل، ترى هل سيعملون على طريقه، أم إنهم يختفلون. هذه الكلمات عذبته أكثر من سياط الجلادين، لايجد لها أي جواب، مع أنه قادر على التخمين، إلا أنه لن يترك العنان لفكره يشطح .