هذه نفحة وسط صحراء واسعة تحاول التمدد والتمرد و السيطرة، إذ غازلت النقب بتلالها ورمالها ماجاورها، حاولت منذ آلاف السنين أن تزحف إلى البحر، فكانت تردها عوامل الطبيعة والتضاريس، إلا أنها استطاعت أن تفرض شيئاً من ذاتها على ما حولها، لتشكل امتداداً طبيعياً لها غرباً وشرقاً وجنوباً.. أمواج المتوسط وحتى الأحمر تصطف منتظمة خلف بعضها، تسحبها الرياح في محاولة لحفظ التوازن، ورد الهبوب القادم من الجنوب والشرق والمحافظة على الذات، وحتى لا تزداد حفرتها الانهدامية. الأمواج تترنح وهي تغيب في غياهب اللجة، لكنها تظهر من جديد أكثر فتوةً وعنفواناً لتبدأ حياتها.
من أعلى التل تبدو الدنيا أكوام رمال وأرضاً منبسطة تارة ومحدودية تارة أخرى، لاشيء سوى " متسفي رامون " التي تبدو أطلالها من التل، شرقاً ودياناً سحيقه وجبالاً متفاوته الارتفاع، تتصل بالأردن من ناحية الطفيلة. غرباً هدير الطائرات يتعالى في كل الأوقات، مطار ريمون يقع غيربعيد من هناك. من فتحات السجن تبدو مدرجاته، وترى بعض الطائرات الهابطة والمقلعة في حركة دائمة لا تتوقف .
وصلت السيارات بعد مسير ست ساعات لاهثة إلى السجن الصحراوي، مالت الشمس إلى المغيب، مغيبة آخر شعاع نورها في الوقت الذي توقفت فيه السيارات. أول ما سمعوه نباح كلاب مفترسة، تقدمت حتى صارت أمامهم مباشرة، مكشرة عن أنيابها ونباحها يشق سكون المكان.
ترجل السائق والمرافقون وهرع من نفحة من فتح باب السجن وأبواب الزنزانات، البناء مؤلف من قسمين منفصلين بينهما ساحة للفورة مجمل مساحتها أقل من مئة وعشرين متراً مربعاً، أما بناء الإدراة فبعد مدخل الشارع مباشرة، يبعد عن السجن تسعين متراً .
توجهت السيارات من بئر السبع إلى مثلث ديمونا ثم إلى مستعمرة بن غوريون، واصلت سيرها جنوباً في عمق النقب، وقبل متسفي رامون بعد كيلو مترات اتجهت السيارات يساراً، وصلت نفخة، المكان يتوسط المسافة بين الحدود الأردنية والمصرية .