تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذا اليوم القائظ بحث حامد وفرات عن بيت للاستئجار، لتسكن فيه هلا. اختارا بلدة تقع ما بين بيتيهما، ليكون المنزل مكاناً للقائهما. بسهولة وجدا بيتاً مؤلفاً من غرفتين واسعتين وسقف عال، مبنيتان من الطين، سماكة جدرانهما ثلاثة أرباع المتر، في كل حائط تركت أمكنة للمّ الفراش وبعضها خزائن لوضع الصحون، والكاسات غير المستخدمة في المطبخ. لكل غرفة نافذتان خشبيتان واسعتان عليهما قضبان حديدية، لا تسمح بمرور أي شخص، يطلان على أرض ديار تعادل مساحة الغرفتين. فيه بئر ماء وساعة كهرباء وشجرة جوز عالية وشجرة توت فتية ودالية معرشة على أخشاب منسقة. اتفقوا على الأجرة ودفعا مقدماً أجرة ثلاثة أشهر.

بعد أربع ساعات من العمل المتواصل استطاعا تنظيف البيت. نقلا الأثاث والفراش وبدأا بترتيبه. لم يشعرا بالوقت. اقترب منها أكثر، حدثته عن همومها بالسفر،قال:

- هل أنت مقتنعة بسفرك؟

- ليتني لا أسافر!

- وما الذي يدفعك إلى أمر لا ترغبينه؟

- الحياة أقوى منا، لا تعطي بقدر ما تأخذ!

- لقد أعطتك الحياة الكثير، وأعطاك الخالق من الجمال ما لا يوصف، يكفي أنه تمهل في خلقك!

- هل تصدق ما يقوله الأهل بأن الله كان فوق دمشق لحظة ولدت؟

- ولم لا أصدق، فهو موجود في كل خلية فيك!

تصهل الفصول في صدرها خمرة ونشوة وموسيقا وأغنية، عصافير ملونة تنطلق من شفتيها، أغان مرحة تخبئها في حنجرتها. يبدو النهار مميزاً ليس كبقية النهارات الأخرى. ظلا حتى اكتحلت عيناهما بالعتمة. مع تموجات جسديهما تهف رائحة هي مزيج من الأنوثة والحياة. اليوم اكتشفا ذاتهما المتوهجة النابضة بالمحبة. يحلم وهو معها ويحمله خياله إلى جزر وعوالم كلها نور وحب وخضرة، أيعقل أن تسافر؟ ربما تمزح، لم يحس أن ما تفعله محاولة لتتزود بما يعينها على السفر ومواجهة الغربة، تتزود بذكريات تعطيها القدرة على الأمل وتحدي المستقبل.

تبدو ألوان المغيب على جسدها الناعس الممزوج بالأرجوان مهرجاناً للألوان، بدت في بداية العتمة أكثر فتنة وجنوناً من الجنون، أشبه بتموجات السراب في الصحراء، تطرح كلمات وجملاً بحاجة إلى التأمل، خرجا إلى الزقاق. بلمسة من يدها أعادت شعرها المنفوش إلى الخلف، مسدت عليه ثانية وأخرجت بكلة وضعتها على الجانب الأيمن الذي يهرب إلى الأمام،تناولت رسالته:

روايات · الصفحة ١١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١١١٤