لغط الناس يدور في كل اتجاه حول المساعدات التي وُزعت، ومصدرها، وأهدافها، والغمز واللمز في كل مكان، وكان أبو أحمد يراها مهمّة جداً على عكس الآخرين، وثقته بعلي بك كانت كبيرة، لأنَّه يعرفه وطنياً رغم إسباغ لقب (بك) التركي على اسمه، ويعرف أيضاً أن هذا اللقب يحصل عليه كل مثقف حصل على شهادة عالية من الأستانة، وعلي بك قد حصل عليها وعُيّن بموجبها موظفاً كبيراً في ديوان اللواء...
أشياء كثيرة كانت تثير إعجاب الجميع بعلي بك وفي مقدمتهم أبو أحمد... كان مثقفاً وعالماً لغوياً ونحوياً، يتمثل دائماً في إجاباته بالقرآن الكريم والشعر العربي وبخاصة شعر الحكمة، كما أنه مطّلع على الأحوال السياسية التي تلف العالم بأسره، ومطامع الدول الكبرى بالوطن العربي الكبير، ولا سيما الأجزاء الواقعة تحت الاحتلال العثماني، وكان بقرارة نفسه لا ينفي تخلف الأمة العربية وفي مقدمتها بلاد الشام، وأن لواء الزور قمة التخلف لشيوع الأمية، وهيمنة الفكر السلفي عليه، لكنه رغم كل ذلك كان يرى أن الأتراك أخفّ وطأة من المستعمر الغربي الشرير الذي يتربص بالأمة العربية، وبشمسها الساطعة، وبخيراتها، وموقعها الاستراتيجي، لذلك آلى على نفسه أن يجمع في مضافته العامرة أكبر عدد ممكن من المتنورين وشرائح أخرى من المجتمع ليتم توجيههم نحو الخير والعطاء، وتشكيل خلايا ثورية يقع على عاتقها جنباً إلى جنب مع جمعية العهد السرية التغيير السياسي والاقتصادي والثقافي نحو الأفضل، ومناهضة التخلف والطامعين.
عندما دخل أبو أحمد المضافة وجد عدداً كبيراً من الرجال المشهود لهم بالوطنية والصدق والإيثار قد سبقوه... حيّا الجميع بتحية الإسلام وجلس بالقرب من أبي ياسين وأبي عدنان المختار. سمع الجميع مواعظ الشيخ حسين والشيخ سعيد، ثمَّ تحدث الأستاذ تحسين عن مستقبل الأمة العربية على ضوء المستجدات العالمية، ثمَّ تحدث علي بك عن المساعدات التي تمَّ توزيعها على المنكوبين والمتضررين من الفيضان، وأشاد بالتجار والمزارعين الذين أسهموا بها، ملمحاً عمّا همز ولمز به بعض الناس، مؤكداً أنها خالية من أية مآرب أو أهداف سوى حب الناس والوقوف إلى جانبهم عند الملمات، وتمنى أن يكون ما قدّمه المحسنون كافياً، وأخذ يتأمل وجوه الجالسين... كان أبو أحمد الصباغ يردد في سرّه:
ـ لتكن من أية جهة كانت، المهم أنها أنقذت أُسَراً عديدة من الجوع والحرمان، ثمَّ همس في أذن أبي ياسين قائلاً: