ولو نظرنا إلى القصة بعين التأمل لوجدنا أنّ كثرة العبادة تورث تعظيم الله ، كما سبقت الإشارة إليه في قصة من قتل مائة نفس .
ولعلّ كلام المقصر للعابد : خَلِّنِي وَرَبِّي ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا . يدل على أنّ الإنكار كان بنوع من الشدة ، ومما يقوي هذا الاحتمال حدتُه التي فاحت رائحتها لما قال : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ .
ومما لا ريب فيه أنّ مما يمنع من هذا التألي على الله أن يمتلأ القلب حال إنكار المنكر بالشفقة على المذنبين ، وأن ينظر المرء إليهم بعين الرحمة كما هو حال سيد المرسلين ، فلقد قال له رب العالمين : ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3] ، وتكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع: قال تعالى : ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الحجر: 88] وفي الكهف: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ [الكهف: 6]. وفي فاطر: ﴿ فَلاتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8]. وفي النحل: ﴿ إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ ﴾ [النحل: 37]. إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - على الأمة ، ومحبته لإسلامهم ، وشدة حرصه على هدايتهم .
فمتى ما امتلأ قلب المنكِر بذلك كان مانعاً من التلفظ بهذه العبارات التي تُسخِطُ الله تعالى .