إنّ القصة كما دلت على سعة رحمة الله وعظيم مغفرته دلت على أنّه قد يأخذ بالذنب ولو لم يكن شركاً ، فلقد غفر للمقصر ، وعاقب المجتهد بكلمة دون الشرك به ، ولذا نعت سبحانه نفسه بقوله : ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ ﴾ .. ألا .. فلا ينبغي لأحد أن يتكل على رحمة الله ويدعَ العمل ، سدِّد ، وقارب ، واستقم ، ثم أحسن الظن بربك ، فإن المؤمن قد جمع خوفاً وإحساناً ، والمنافق قد جمع أمناً وإساءةً .
إنّ هذه القصة لتحذرنا من أن نقحم أنفسنا بين الله وعباده ، وأن ننصبها حكماً على عباد الله ، فالله هو الذي يحكم بين عباده ، وهذا من رحمته بنا ، فلو وكل الله أمرنا إلى غيره لهو الهلاك بعينه .
إنّ من أجل الدروس في هذه القصة أنْ يحذرَ الإنسان من لسانه ، قال أبو هريرة - رضي الله عنه - : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .
وقد كثرت النصوص التي تأمر بحفظ هذه الجارحة ..
قال تعالى : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ ﴾ [ ق : 18 ] .
وفي الحديث المتفق على صحته يقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - :« مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ » . وقال :«منْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» ، وقال لمعاذ :«كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» . وأمسك بلسان نفسه ، فقال معاذ : يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ – وهي كلمة كانت العرب تقولها ولا تريد معناها- !قال :«وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي] .