ص -84- في آثارهم حتى جاءوا البحر، فلم يدركوا منهم أحداً، وكان خروجهم في رجب، فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان. ثم رجعوا إلى مكّة في شوّال، لمّا بلغهم أنّ قريشاً صافوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وكَفُّوا عنه.
وكان سبب ذلك: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قرأ سورة النّجم، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾1. ألقى الشّيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهن لترتجى" فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبل اليوم، وقد علمنا أنّ الله يخلق ويرزق ويحيى ويميت، ولكن آلهتنا تشفع عنده، فلما بلغ السّجدة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلّهم، إلاّ شيخاً من قريش، رفع إلى جبهته كفّاً من حصى فسجد عليه. وقال: يكفيني هذا2. فحزن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حزناً شديداً. وخاف من الله خوفاً عظيماً. فأنْزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ...﴾ الآيات3.
ولما استمرّ النَّبِي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على سبّ آلهتهم، عادوا إلى شرّ مما كانوا عليه، وازدادوا شدّة على مَن أسلم.
1 الآيتان 18-19 من سورة النّجم.
2 قد حقّق المحدِّثون: أنّ قصّة الغرانيق واهية. قال القاضي عياض: ((إنّ مَن ذكرها من المفسِّرين وغيرهم لم يسندها أحد منهم. ولا رفعها إلى صاحب إلاّ راوية البزار، وقد بين البزار أنّه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، سوى ما ذكره. وفيه ما فيه)). اهـ. وإنّما سجد المشركون حين أخذتهم عظمة القرآن بقوّة أسلوبه وعظمة آياته، وحلال سحره، وعذوبة ألفاظه، وحلاوته الأخاذة. وبالأخص حين قرأه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. وتلاه حقّ تلاوته.
3 الآيات 52-55 من سورة الحج.