ص -248- من تمام الحِكَم الباهرة التي جعل الله هذه القصّة سبباً لها وابتلاء لرسوله، ولجميع الأمّة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواماً، ويضع بها آخرين، فاقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيّه شهراً لتظهر حكمته، على أكمل الوجوه، ويزداد الصّادقون إيماناً وثباتاً على العدل وحسن الظّنّ، ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً، وتظهر سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة منها ومن أبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتدّ الفاقة منهم إلى الله والذّلّ له، والرّجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، ولهذا وفت هذا المقام حقّه، ولو أطلع الله رسوله على الفور، لفاتت هذه الأمور والحكم، وأضعافها وأضعاف أضعافها.
وأيضاً فإنّ الله أحبّ أن تظهر منْزلة رسوله عنده وأهل بيته، وأن يتولى بنفسه الدّفاع، والرّدّ على الأعداء وذمّهم بأمرٍ لا يكون لرسوله فيه عمل.
وأيضاً فإنّه المقصود بالأذى، فلا يليق أن يشهد ببراءتها، وكان عنده من القرائن أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال ثباته وصبره ورفقه، وفَّى مقام الصّبر حقّه.
ولَمّا جاء الوحي حدّ مَن صرّح بالإفك إلا ابن أُبيّ مع أنّه رأس الإفك، فقيل: لأنّ الحدود كفّارة، وهذا ليس كذلك، وقد وعد بالعذاب الأليم فيكفيه عن الحدّ.
وقيل: الحدّ لم يثبت عليه ببيّنةٍ، فإنّه إنّما يذكره بين أصحابه.
وقيل: حدّ القذف حقّ الآدمي لا يستوفى إلاّ بمطالبة.
وإن قيل: إنّه حقّ لله، فلا بدّ من مطالبة المقذوف.
وقيل: تركه لمصلحة أعظم