138 ) وقد اختلف في السن الذي إذا بلغه استحب له التصدي لإسماع الحديث والانتصاب لروايته . والذي نقوله : إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كان . وروينا عن القاضي الفاضل ( أبي محمد بن خلاد ) رحمه الله أنه قال : الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث هو : أن يستوفي الخمسين لأنها انتهاء الكهولة وفيها مجتمع الأشد . قال ( سحيم بن وثيل ) :
أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون
قال : وليس بمنكر أن يحدث عند استيفاء الأربعين لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال نبئ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وهو ابن أربعين وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته ويتوفر عقله ويجود رأيه
وأنكر القاضي ( عياض ) ذلك على ( ابن خلاد ) وقال : كم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ومات قبله وقد نشر من الحديث والعلم ما لا يحصى هذا ( عمر بن عبد العزيز ) توفي ولم يكمل الأربعين
و ( سعيد بن جبير ) لم يبلغ الخمسين . وكذلك ( إبراهيم النخعي )
وهذا ( مالك بن أنس ) جلس للناس ابن نيف وعشرين وقيل : ابن سبع عشرة والناس متوافرون وشيوخه أحياء . وكذلك ( محمد بن إدريس الشافعي ) : قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك . والله أعلم
قلت : ما ذكره ( ابن خلاد ) غير مستنكر وهو محمول على أنه قاله : فيمن يتصدى للتحديث ابتداء من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره . فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج ( 139 ) إلى ما عنده . وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك : فالظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك أو لأنهم سئلوا ذلك إما بصريح السؤال وإما بقرينة الحال