ومع ذلك ليس من الصعب تفسير هذا الامر فلقد كانت تلك الكتب ذات نطاق محدود باخبار رجل او قبيلة او ناحية , وكان الرواة في عصر بني امية يروون عن قومهم ورجال قبائلهم ما شهدوه من احداث وما يدور في مجتمعهم من حكايات , الى جانب الرغبة المعتادة عند البعض في ابراز امجادالقبيلة او الاقليم . فدخلت هذه الروايات في الكتب الاولى من غيراستيعاب بقية الاقوال , وصار يوجد في الكتاب الواحد الاسماء والاخباروالاشعار التي تقل او تنعدم في الكتب الاخرى . ثم ظهرت التواريخ الشاملة في القرن الثالث , وهي تقوم في الغالب على اختيار رواية واحدة او بضع روايات جديرة بالقبول وترك ماعداها.
ولقد غفل الاستاذ عن مسالة كان ينبغي ان لا تخفى عليه , وليس من الصعب ان يتصورها القارئ الكريم . فلقد تطاحنت الاحزاب منذ الفتنة الاولى الى سقوط الدولة الاموية , لا يكاد المسلمون يخرجون من فتنة الا ويدخلون في فتنة اعظم منها, ومن لم يصدق فليقرا تاريخ الطبري وليتحسر على تعطل الفتوح وضياع الفرصة التاريخية بسبب الانكفاء على الذات والصراعات القبلية والاقليمية . فالذي تقتضيه الاحوال والطبيعة البشرية ان يمتد الصراع الى ساحة الفكر ولا يقف عند ساحة القتال , وان تتضارب الروايات وتكثر الحكايات والشائعات عن الواقعة الواحدة , ويختلطالحابل بالنابل والصدق بالكذب , في اثناء تلك الفتن وبعد خمودها. فماحاجة سيف مثلا, كائنة ما كانت دوافعه واهواؤه , الى اختلاق الحكايات والحوادث , مع انه يكفيه ان يدلي بدلوه في احد الابار الكثيرة ليجد ما يريدوما حاجته الى اختراع الرواة اذا كان يكفيه ان يصغي باذنيه الى جيرانه ؟ والتاريخ الحاضر خير شاهد على صحة هذا التفسير الذي تقبله النفوس والعقول , فلا يكاد يخلو كتاب من التحيز الشخصي والاسري والحزبي والقبلي والفكري والبلداني , المقصود وغير المقصود.