واختلاق الشخصيات امر غريب في ذاته , ويحتاج الى شرح وبيان واثبات , وهواصعب بكثير مما يوهم كلامه . فهل من اليسير مثلا على احد رواة الشعرالنبطي ان يخترع اسماء عشرات الشعراء ويزعم انهم عاشوا قبل قرن اوقرنين الجواب بطبيعة الحال انه امر غير ميسور لاسباب كثيرة , ومن ارادفليجرب اختراع شاعرا واحدا وليس من السهل على احد ان يخدع جميع الناس , فكيف اذا كان الكذب والتلفيق بهذا المقدار, فلابد رابعا من اثبات ان باب اختلاق الاشخاص بهذا المقدار المزعوم امر ممكن , وانهم تمكنوا من خديعة العلماء بذلك .
لقد كان من الواجب اعتبار التهمة من جميع جوانبها, والنظر في جميع روايات الرجل عن القعقاع وغيره , وهل تابعه احد على ذكر بعض الاشخاص الذين له مصلحة في اختلاقهم , واعتبار جميع آراء العلماء القولية والعملية فيه , الى آخر الامور التي لا بد من اعتبارها. فتكون النقاط سلبية وايجابية ,ثم يحكم له او عليه . وقد فعل القدماء ذلك بهدوء, وانتهى كثير منهم الى قبول رواياته في التاريخ دون الحديث كما هو معلوم .
ثم لا بد من اثبات ان المسالة التي يدور البحث حولها- القعقاع الان وغيره في المستقبل - من ضمن تلك المخترعات , وايضاح ان اخباره تتضمن من المبالغات غير المعقولة ما يستوجب الجزم بانه اسطورة , مع الاخذ في الاعتبار ان المبالغة قد تقع في اخبار الاشخاص الحقيقيين . اما جمهور الناس عبر القرون فلم يقراوا في اخباره شيئا يتجاوز الحدود ولقد كان من الافضل ان يفترض الاستاذ ان الاصل فيه انه شخص حقيقي , لانه مذكورفي كثير من الكتب , والاثبات مقدم على النفي , ويعترف بانه يسبح ضدالتيار, ثم يوضح بالدليل القوي والحجة القاهرة لماذا يجب ان يكون الامرعلى العكس . فهذا هو مقتضى الانصاف , وهكذا يصنع الباحثون وتبرزالجهود.