دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 72
يغدو الفقير وكل شيء ضده
فتراه محقوقا وليس بمذنب
حتى الكلاب إذا رأت ذا بزة
وإذا رأت يوما فقيرا بائسا
والأرض تغلق دونه أبوابها
ويرى العداوة لا يرى أسبابها
هشت إليه وحركت أذيالها
نبحت عليه وكشفت أنيابها
فالوزن التقليدي استطاع أن يؤدي صورة فنية بادرة تصور حقيقة إنسانية، وطبيعية بشرية، وذا في أداء فني متسم بالبساطة، ولا تنقصه الحركة، والإيحاء
وهذه صورة هزلية أخرى يذكرها ابن القيم الجوزية:
لا تخدعنك اللحاء والصور
في شجر السدر منهم مثل
تسعة أعشار من ترى بقر
لها رواء وما لها ثمر
وهذه الصورة ثالثة رويت على أنها من الشعر الجاهلي، وهي أيضا تمثل حقيقة الطبيعة الإنسانية:
يتمنى المرء في الصيف الشتا
لا بذا يرضى، ولا يرضى بذا
وإذا جاء الشتاء أنكره
قتل الإنسان ما أكفره
وهذه صورة رابعة تصور عمل الخير لذاته وان كان (ستيوارت ميل) في فلسفته المادية ينكر على الإنسان أن يفعل الخير لذاته، بل هو يفعله لغاية ما، فإذا تصدق قاما خوفا من عقاب الله، أو خوفا من أن يكون مصيره مثل هذا الفقير.
ولكن لتسمع هذا الشعر الذي يصور هذه الحقيقة التي تثبت أن هناك خيرا مطلقا لذاته وكفى:
حرم الله أن ترى كلبن سلم
يسقط الطير حيث ينتشر الحب
ليس يعطيك للرجاء، ولا الخو
عقبة الخير مطعم الفقراء
وتغشى منازل الكرماء
ف ولكن يلذ طعم العطاء
فهذه الأمثلة اتفقت في تصوير الطبيعة الإنسانية في صدق، وامتازت كلها بالبساطة رغم قيود الوزن .. أما الشعر التقليدية، وان كان قد جدد فيها بما يلائم حركة التجديد العامة، دون التخلص من الوزن والموسيقى، تخلصا نهائيا، هذا الشعر غني بالأمثلة القوية لها نفاذها وعمقها المكين، وذلك يؤيد ما قلناه من أن الأبحر الخليلة لا تضيق بالمفاهيم والأشكال المذهبية في الشعر الحديث. هذه قصيدة (ابتسم لأبي ماضي
قال: السماء كئيبة! وتجهما
قال: الصبا ولي! فقلت أبـ
قال: العدى حولي علت صيحاتهم!
قلت، ابتسم لن يطلبوك بذمهم
قال: الليالي جرعتني علقها
فلعل غيرك أن رآك فربما
قلت ابتسم يكفي التجهم في السماء
ـتسم لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
اسر والأعداء حولي في الحمى؟
لو لم تكن منهم أجل وأعظما
قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما
طرح الكآبة جانبا وترنما!
وهذه صورة أخرى من نزعته الإنسانية المتكاملة:
يارفيقي أنا لولا
كنت في سرى لما
ربما كنت غنيا
أنت ما وقعت لحنا
كنت وحدي أتغنى
غير أني بك اغني