تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 49

المغرب وخارجه، ولكن الكتاب لم يؤلف للتسلية، فقد أسلفنا انه كان في الأصل محاضرة علمية جامعية، تستهدف التدقيق والمنهج العلمي الصحيح.

ونحن إذ نرجو من قرائنا أن يترفعوا عن مجرد طلب التسلية في القراءة، وأن يروضوا أنفسهم قليلا على القراءة الجادة المفيدة، نطلب أيضا على أستاذنا الكبير السيد محمد الفاسي ألا يترك مهام الوزارة تشغله عن مواصلة كفاحه العلمي، فإن الخزانة المغربية (المرجوة) لا تستطيع مطلقا الاستغناء عنه أو عن أمثاله من قادة الفكر المغربي ورواده.

اللهاث الجريح .. أنا والقمر:

وتفضل أيضا الأديب الشاعر الأستاذ محمد الصباغ، فأهدانا نسختين من كتابيه، أو من ديوانيه: «اللهاث الجريح» و «وأنا والقمر».

وأنا اسميهما ديوانين، وإن لم يكن فيهما وزن ولا قافية، لان الشعر لا يعني الوزن والقافية، وان كانا عنصرين مهمين من العناصر الشكلية في الشعر، وإنما يعني قبل كل شيء التعبير الفني الجميل عن الشعور الحي والعاطفة المشبوبة والخيال الطليق، وكل ذلك متوفر فيما ينتجه الأديب الصباغ.

*

وقد عرفت الأديب الصباغ فوجدته هو نفسه (طبعة) من دواوينه التي قرأتها، وجدته هو نفسه ديوان شعر، في رقة روحه، وطيبة قلبه، ولين حديثه، وجدته فنانا بكل مزايا الفنان ونقائصه، فهو يرتبك إذا كرمته، وتحمر وجنتاه إذا أثنيت عليه، وهو يحب الناس جميعا، ويذكرهم بخير، ويعتبرهم جميعا أصدقاء.

وكنت أنا الذي سعيت في التعرف على الأستاذ الصباغ، قرأت له قصيدة أعجبت بها، فكتبت إليه استأذنه في نقلها بمجلة (دعوة الحق) فكتب لي جوابا لولا أنه خاص لهممت بنشره هو أيضا، باعتباره قصيدة أكثر مما هو جواب.

وقد تفضل وزارني بعد ذلك، ثم أهداني نسختين من (اللهاث الجريح) و (وأنا والقمر).

وقد تصفحت الديوانين، فأكدا لي الفكرة التي كنت قد كونتها عن الشاعر الصباغ من قراءة كتابه (شلال الأسود) وقصائده المتناثرة في الجرائد والمجلات

ورأيي في الأستاذ الصباغ أنه شاعر رمزي، وهو-فيما أرى- مرشح لأن يصبح شاعرا رمزيا ممتازا.

وأشهد أنني لم أتذوق الشعر الرمزي في اللغة العربية إلا مرتين، مرة في قصيدة مترجمة للشاعر الإنجليزي (ادجار آلان بو) نقلها إلى اللغة العربية الأستاذ الكبير محمد مندور، واسمها (الغراب) ومرة ثانية وأنا أتصفح دواوين الشاعر الأستاذ الصباغ.

وكنت قد بدأت اعتقد قبل ذلك، إلا مكان في الأدب العربي للمذهب الرمزي، لأن الرمزية في الآداب الأوروبية والأمريكية وليدة تطورات تاريخية خاصة، وحلقة طبيعية من حلقات تطور الآداب الأوروبية والأمريكية التي جربت كل أنواع التعيير وألوانه وأشكاله، حتى لم تجد في تراكيب اللغة العادية ما يكفيها للتعبير عن عواطف أصحابها واحساساتهم فأصبحوا يؤثرون الرمز والإيحاد ومحاولة نقل القارئ أو المستمع إلى الحالة النفسية والجو العاطفي الذي كان يعيشه الشاعر أثناء الإنشاد، مستعينين على ذلك بأنواع غربية من المجازات والاستعارات والاستعمالات اللغوية غير الطبيعية، وباستعمال الصفات والألوان استعمالا غير مألوف، وبنوع من التجاوب أو الموسيقى أو الجرس بين المفردات والتعابير.

وقد حاول كثير من الأدباء العرب أن يترجموا روائع من الأدب الرمزي، فلم يفلحوا في ذلك، لأنه غير قابل للترجمة فيما يظهر، وذلك لأنه يفقد فيها أهم عناصره، وهي قالبه الفني المرتبط بلغته الأصلية كل الارتباط، وحاولوا كذلك أن ينتجوا أدبا رمزيا-وقد كانت مجلة (الأديب) تتزعم هذه الحركة- لكنهم لم يفلحوا في ذلك أيضا.

وبعد، فأراني قد بعدت عن الأستاذ الصباغ وعن ديوانيه (اللهاث الجريح) و (وأنا والقمر) ودخلت في حديث مجرد عن الأدب الرمزي.

*

أما اللهاث الجريح فمجموعة رسائل أدبية (فنية) متبادلة بين الشاعر وبين فتاة لبنانية، مجنحة الخيال

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩١