تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 29

الخيال

الأستاذ: محمد الصباغ

سعت إلى عدة رسائل من بعض القراء والأدباء ومحبي الثقافة والأدب في بلادنا، يسألونني فيها عن بعض قضايا تمس حركتنا الأدبية، على إثر فصول أدبية كنت أنشرها من حين إلى حين في جريدة «العلم».

وكم كان يلذ لي أن أتعرض في هذه الفصول لبعض المشاكل الأدبية الدقيقة التي أرمي من ورائها إلى أثارة النقاش والجدل الأدبيين، اللذين ينتفع بهما سوقنا الأدبي. وقد قدر لبعض هذه الفصول أن تثير حركة أو شبه حركة من النقد والردود والتعقيبات على صفحات نفس الجريدة، ومع بعض رفاقي في مجتمعاتنا وأسمارنا الخاصة. وقد لمحت من خلال بعض هذه الرسائل عدم اطمئنان أصحابها لحقيقة بعض المعاني والأفكار في كتاباتي التي يغلب عليها الخيال المسرف، أو «التمويهات» في دنيا الأحلام اللاهية المترفة بالألوان والظلال والأنغام والطيوب كما يزعمون.

هؤلاء وغيرهم، وياما أكثرهم تحت قباب البلاد العربية، اليوم وقبل اليوم، الذين تدهشهم كلمة «الخيال» في شتى الفنون الحسية، التي تعتمد أول ما تعتمد على الخيال، الخيال الخصيب الحاد، الذي يفتق في جريانه ذرات مستحيل الوهم.

وقد يأتيك هؤلاء في تعنت يتحدى، بعدما عجزوا عن فهم خاطرة شعرية، أو نغم مجنح في قطعة موسيقية أو تسريحة رمزية في نحت، أو رسم، أو رقص، طالبين منك شرح حقيقة تلك الخاطرة الشعرية، أو ذلك الرمز المنطوي على امتداد ظلال رسم، أو انحناءة نهد في نحت. وقد تلبي رغبتهم مسرورا، فتطيل الحدس-إن كان هناك ما يدعو إلى الحدس الحسي- في هذا الشعر، أو في ذلك النحت، أو في تلك القطعة الموسيقية لاستخلاص الفكرة، وأحيانا تعمد إلى التقمص في ذات الفنان لتحاول أن تعيش تجربته وإحساسه اللذين أوحيا إليه بفكرة ما. حتى إذا أنت لمست هذه الفكرة، وشرحتها لهم على نور حدسك. أجابوك:

دعنا من هذا الخيال المسرف، دلنا على الحقيقة الملموسة فيه. لأنفع لنا من الخيال ان لم ينطو على الحقيقة. فأشفق من تجمد عواطفهم، وخشونة ذوقهم وقصر خيالهم الذي يعجز عن اللحاق بهم إلى سماوات الفن العلا. فقبل أن يلوموا الخيال، فالأحرى بهم أن يلوموا الطبيعة التي بخلت عليهم بخيالها الصاعد إلى ما أبعد من السماء، والنجم، والحلم الملتهبة في موقد الشفق، وبذوقها الخصيب في شجيرات السرو التي تنتصب مع النسيم كفوارات أوراق خضر.

الا ليت هؤلاء عرفوا أن بين دنيا الفنان الخلاق، ودنيا القارئ اختلافا كبيرا، ومدى واسعا. ويشتد هذا الاختلاف، ويتسع هذا المدى حتى ما بين القراء أنفسهم نظرا لمستوى ثقافتهم، وتكوينهم، وطبائعهم، وأذواقهم، وأمزجتهم، والتيارات الزمنية التي تحيط بهم، كما هو الشأن أيضا في جميع الفنانين الذين يختلفون عن بعضهم، ويفترقون-من حيث الاتجاه، والأداء، والتكوين، ودرجات العاطفة، والإحساس، والخيال، وصفاء الروح، وقوة النور في النفس، وما إلى ذلك من المقومات الفنية-ليجتمعوا في دائرة الفن السحرية الخيالية التي يندهش منها هؤلاء الذين يكيلون لها من اللوم ما يكيله ذلك الجاهل إلى الشيء الذي يجهله كما في المثل المشهور.

على أن أعداء الخيال، والناقمين على الخيال، معذورون لكونهم زيادة على ما أسلفت، يجهلون الإلهام المستنزل على الفنان، والذي اسميه أنا بـ «الإشراق الروحي» ساعة الخلق؛ حيث العاطفة تكون في هيجان، والإحساس في حماس، والخيال يسبق أوهام البرق والضوء. وإذا العالم بما فيه عار من كل الحجب والأستار، متجرد من مقاييس الزمن، ومكاييل الأبعاد،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧١