دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 27
تقتضيها الحال، وما كان من هذا إلا أن أذن بذلك، وهنا صدرت الأوامر بشراء كثير من الأملاك المجاورة لجنوب القرويين (جهة المحراب)، وكذا طائفة من العقار الذي يوجد شرق القرويين وغربها ... وعلى العادة المتبعة فإن الشراء كان بأحسن الأثمان ترضيه للناس، ولم تسلم السلطة من الاصطدام بأشخاص رفضوا أن يسلموا أماكنهم للمصلحة العامة، لكن العلماء اقتداء بعمل بن الخطاب حينما زاد في المسجد الحرام أصدروا الفتوى بتقديم الأمكنة ودفع الثمن لأصحابها ولو دون رضاهم. فكانت أهم جهة نالت القسط الأوفر في الزيادة هي جهة الجنوب فإلي جانب جامع الجنائز وحجرة الخطيب، زادوا ثلاثة بلاطات «فكملت عشر بلاطات من المحراب للصحن» كما يقول المؤرخون، كما أضيف إلى قاعة الصلاة من الجهة الغربية قوس على كل بلاط من البلاطات فكانت المسافة التي نلاحظها مرتفعة عن الأرض مما تحت النافذة الصغرى لمصرية المفتي إلى باب الشماعين، كما أضيف إليه من الجهة الشرقية قوسان على كل بلاط فكانت مسافة أخرى تنزل من جهة الخلوة إلى باب المعدة: باب ابن عمر.
هذا إلى إضافة قوسين إلى كل بلاط من البلاطات الخمسة التي يتكون منها جناحا الصحن: الشرقي والغربي. ان المساحة التي زيدت هذه المرة تبلغ ألفي متر مربع ...
وفي هذه المرة حول المحراب من أول موضع جعل فيه إلى المكان الذي يوجد فيه اليوم، فأصبحت القرويين من ستة عشر بلاطا أفقية، على واحد وعشرين بلاطا عموديا.
هذا هو هيكل القرويين، ومن هنا شقت طريقا تكتسب كل مناسبة مرفقا من المرافق، أو ركنا من الأركان أو إصلاحا من الإصلاحات فكل ملك، وكل أمير بل وكل واحد كان يحدب عليها ...
هل نقضت القرويين؟
لقد لذ لبعض السادة المؤرخين عند التعرض للزيادة التي تمت على عهد المرابطين أن يقول: «ان القرويين نقضت وبنيت عوضها قرويين جديدة هي التي ما زال إلى الآن» فما هو الرأي في هذا القول؟
ليس بين أيدينا من المؤرخين الأقدمين من عبر في مرحلة من المراحل التي مرت بها القرويين بمادة «نقض» وكلهم يقتصر على ذكر «الزيادة» زيادة كذا من البلاطات شرقا، وكذا غربا، وكذا شمالا ... فهل كانوا يتهيبون التعبير بالهدم؟ لقد فعلوا ذلك عند ما وقع بالفعل في الصومعة على عهد الزناتيين، وفي الجدار الشرقي على عهد بني مرين، ومع أنه عمل بسيط لا يذكر إزاء «نقض» المسجد جميعه، فما الذي حدا بهؤلاء النقاد إلى هذا الادعاء؟ لعل الذي يدفع بهم إلى اعتقاد ذلك محاولة التوفيق بين «الأنيس» الذي يذكر أن «المساحة بين شرق القرويين الأولى وغربها كانت مائة وخمسين شبرا» وبين «الآس» التي تذكر أن «عدد الأقواس من شرقها إلى غربها كانت اثنى عشر قوسا» فهم-وقد وجدوا أن مساحة 150 شبرا في التصميم الحالي للقرويين (32 ميترا تقريبا) انما تشتمل على تسعة أقواس- يضطرون إلى الاعتقاد بان تلك الأقواس الاثنى عشر التي كانت تتوزع على «مائة وخمسين شبرا» قد نقضت لتشيد مكانها تسعة أقواس، تتسع مسافة الأساطين بينها عن مسافة الأساطين الأولى ...
وشيء آخر يبرر النقص في نظر أنصاره، فإن هذا الانسجام الظاهر في جوانب القرويين بين الأجزاء المشيدة، ان دل على شيء فإنما يدل على أنها قامت دفعة واحدة لا أجزاء متلاحقة ... لكن من حقنا أن نتساءل: لماذا اختار هؤلاء المؤرخين أن يكون النقض تم على عهد المرابطين دون عهد الناصر الأموي، وهو من نعرف من حيث الهواية المعمارية؟ ومن حقنا كذلك أن نطالب بالمصدر الذي رجع إليه أولئك في ادعاء «النقض».
إني اعتقد أن القرويين الأولى ظلت «نواة» دائمة للقرويين الثانية والثالثة كذلك. وليس معنى هذا أنني اعتقد أن البناء الأول استمر دون أن يدخل عليه ترميم أو إصلاح، فتلك سنة جارية، ولكن الشيء الذي أريد أن اثبت هو إقصاء فكرة الهدم، ويؤيد هذا عندي ما يلاحظ أحيانا من خلاف في المساحة بين بعض الأساطين، خاصة في بعض جوانب النصف الشرقي، وهناك شيء جديد، ذلك أن الاختصاصيين من المعماريين الذين أتاحت لهم الفرصة مزاولة أشغال البناء في القرويين، أمكنهم أن يسجلوا آثار «التلاحم» من الزيادة الأولى والثانية-الأمر الذي يدل على أنهم كانوا يضيفون ولا يهدمون.