وودع المنصور الحياة ودخلت الدولة في مرحلة اخرى من حياتها، وحاول الناصر ان يحتفظ بمكاسب الدولة وان يطيل حبل الاستقرار والازدهار اللذين كانا شعار المنصور وعنوان عصره، وثمره مجهوده فسجل انتصاراته على ابن غانية في تونس، وعلى الصليبيين في الاندلس، غير ان كارثة اعقاب سنة 609هـ كانت النذير الاول بتفتت الوحدة وانحلال الرابطة، وتقلص الظل الوارف الذي تعيش تحت الويته كل من الاندلس والمغرب، وتلا هذه الكارثة ما سجله التاريخ من ضعف في ملوك الموحدين الذين جلسوا على عرش مراكش وقنعوا من الحياة بما تيسر ولان.
وبعض هذا كان كافا لقيام دول وحكومات في تونس والجزائر والمغرب والاندلس .. على انقاض دولة الموحدين واشلاء امبراطوريتها وهو ما كان بالفعل .. فاصبحت كل من غرناطة وتونس وتلمسان عاصمة دولة على راسها امير او ملك او خليفة امير المونين ..
هكذا يصور لنا التاريخ عصر حازم القرطاجني وهو كما ترى عصر تحول وانتقال، عصر نشوء دول وقيام حكومات كل منها تطمح لان تنال من وسائل التاييد وفرض الوجود ما يثبت اقدامها، ويعلي شانها ويكسبها العظمة والخلود ..
وقد عودنا التاريخ العلمي والادبي ان مثل هذا العصر يكون طافحا بالاعلام والعباقرة والشعراء والمؤلفين والمؤرخين، لان هؤلاء هم السند المعنوي للدول الناشئة وهم عنوانها البارز في الداخل والخارج وهم في الوقت نفسه محل تنافسها لجلب اكبر عدد منهم ال بلاطها .. والامثلة الحية لهذه الظاهرة التاريخية كثيرة في عصر ملوك الطوائف بالاندلس، وعصر انحلال دولة بني العباس في المشرق، ودولة الموحدين في المغرب.
وصاحبنا حازم خضع لهذه العادة فقد عاش في مسقط راسه بالاندلس، ثم هاجر إلى بلاط الموحدين بمراكش ثم استقر به المقام في بلاط الحفصيين بتونس.
وكان سقوط العواصم الاندلسية في ايدي الصليبيين الزاحفين من الشمال والشرق والغرب عاملا اساسيا في هجرة هؤلاء الاعلام الاندلسيين إلى المغرب وتونس ومصر وغيرها من اقطار الاسلام طلبا لالامن والاستقرار.
وكتب التراجم طافحة بهؤلاء الذين تركوا مساقط رؤوسهم في الحواضر الاندلسية ورحلوا عنها وهم يندبون صفحات من الماضي تطوى، ومجدا يدفن، وتاريخا اصبح في خبر كان .. فتكملة ابن الابار 659 وصلة ابن الزبير 708، والذيل والتكملة لابن عبد الملك 703، وغيرها من المصادر التاريخية تضم عددا لا يحصى من هؤلاء الذين عاصروا الفواجع الاندلسية وطوح بهم الدهر هنا وهناك ..
بعد هذا التصوير المجمل لعصر حازم ننتقل إلى ترجمته الشخصية ومراحل حياته في الاندلس والمغرب وتونس.
ولد حازم على ما يظن بقرطاجنة الحلفاء كما يسميها ابن عبد المنعم في الروض (1) المعطار وهي مدينة ازلية في شرق الاندلس على شاطئ البحر المتوسط، جيدة التربة والمناخ، تقع وسط اقليم تدمير الشهير بمحصولته وغلاته قديما وحديثا .. وكان مولده سنة 608 (2) هوهي السنة التي عبر فيها الناصر إلى الاندلس ليخوض فيها غمار معركة العقاب المشؤومة على الاندلس والمغرب معا .. ولا نكاد نعرف عن نشاة حازم وتربيته ودراسته الاولية شيئا يذكر سوى بعض الاستنتاجات التي نستنتجها من اقوال المقري في نفح الطيب، وازهار الرياض، والسيوطي في بغية الوعاة ..
ويظهر من آثار حازم انه درس في الاندلس دراسة متينة ولا سيما فنون الادب واللغة متنقلا بين الحواضر الشرقية منها بنوع خاص، ويقول السيوطي "انه
1 - طبعة القاهرة /1937/ ص 151 مع تصحيف1
2 - ازهار الرياض/ط. القاهرة/ ج 3، ص 172