وهذا الفرق في تعبير القرءان الكريم عن الاولاد والوالدين يدل على ان الصلةفي سيرها العادي بين الطرفين ليست متماثلة، وانها في جانب الوالدين اقوى منها في جانب الاولاد.
ورسالة القرءان في هذه الصلة تهدف إلى أن تبلغ الطرفين إلى مستوى التكافؤ والتعادل في سلوك كل واحد منهما نحو الاخر: تهدف اذن إلى أن تغير مجرى سيرها العادي حتى تصل إلى نقطة التقاء بين الاثين، بحيث لا يمل احدهما الاخر ولا يزهد في لقائه.
وبما ان الدافع لهذا الالتقاء الوسط المتوفر لدى الوالدين بحكم الطببيعة والفطرة أو بحكم الالفة والعادة، أكثر من توفره عند الاولاد - كانت وصايا القرءان في الصلة بين الطرفين تكاد تكون موجهة إلى الاولاد وحدهم وفي سورة تجعل طلب ذلك من الأمور التي لا يغتفر التخلف فيها بحال. ومظهر ذلك في تعبير القرءان الكريم، انه يقرن طلب الاحسان من الاولاد إلى الوالدين بطلب عدم الشرك في العبادة، يقول الله تعالى: "واذ اخذنا ميثاق بي اسرائيل لا تعبدون الا الله، وبالوالولدين احسانا .. " ويقول في سورة الاسراء: "وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا". ويقول في سورة الانعام: "قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ان لا تشركوا به شيئا، وبالوالدين احسانا".
ثم ان القرءان بينما لم يحدد تفصيل السلوك والتصرف الذي يتصرفه الوالدان نحو اولادهم اعتمادا على الدافع الطبيعي الفطري القوي عندهم - يعني بتحديد المطلوب من الاولاد نحو والديهم، يقول تعالى في تكملة آية الاسراء السابقة، وفي آية اخرى بعدها: "وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن الكبر احدهما او كلاهما، فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الدل من الرحمة، وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
وهو اذن يطلب من الأولاد هذه المعاملة الرقيقة المهذبة في صلاتهم بوالديهم، فطلبه منهم رعايتهما بالانفاق والسكنى اوجب واشد ضرورة.
وقد يضيف القرءان إلى اقتران طلب الاحسان إلى الوالدين بطلب عدم الشرك في العبادة، الأسباب والدوافع التي من شأنها ان تدفع الاولاد اصحاب الفطرة السليمة إلى البر بالوالدين والاحسان اليهما، لان هذه الاسباب منتزعة من تطور الاولاد انفسهم، يقول الله تعال: " ووصينا الانسان بوالدين حملته امه وهنا على وهن" "ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته كرها" ويقول: " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
بينما لم يطلب القرءان من الوالدين في صلاتهما باولادهما الا عدم الافتتان بهم اذ الافتتان بالاولاد من شأنه ان يلهي الوالدين عن ذكر الله، وتنفيذ تعالمه في حياة الانسان، يقول الله تعالى: " ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم، ولا أولادكم عن ٍكر الله" واذا تلهى الوالدان بالأولاد عن ذكر الله ساء تقدريهما للحياة. وعاقبة ذلك الانحراف في توجيه الأولاد، وبالتالي الانحراف في الاستمتاع بهم، فتكون حياة الطرفين حياة خالية من الاستقرار النفسي، مليئة بالأحداث المفاجئة المرعجة.
هذا ما يطلبه القرءان في صلة الوالدين بالأولاد، سواء من جهة الوالدين انفسهم. وما يطلبه هنا وهناك قائم على اعتبار الفطرة الانسانية، التي لم يلحقها شذوذ ولا تخلف في نموها وتطورها وتلك هي حال الانسان السائدة، وهذه الحال هي دائما الأساس في فهم توجيه القرءان لصلة الوالدين بالأولاد، والأولاد بالوالدين.
اما نهي القرءان الاباء عن قتل اولادهم خشية الفقر، كما في قوله تعالى: " ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق، نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطئا كبيرا" وقوله: " ولاتقتلوا اولادكم من املاق، نحن نرزقكم واياهم". وكذلك حديث القرءان عن عداوة بعض الاولاد لوالديهم، أما هذا وذاك فانه لا يقوم على الطبيعة الانسانية السائدة، ولا يرسم منهجا لطريقها العادي، انما هو علاج لحالة طارئة، علاج لانحراف غير شائع في طبيعة الاباء أو طبيعة الاولاد، هو علاج لانحراف تخلفه البيئة المنحرفة اذا طال انحرافها.
فالاحسان من جانب الاولاد إلى الاباء، وعدم افتتان الاباء بالاولاد هو الطريق الامثل إلى التكافؤ والتعادل في العلاقات بين الطرفين. وهذه سنة القرءان في كل جانب من جوانب الحياة الانسانية.