يبحث على عدم الإضرار وعلى الصبر والتؤدة إذا ما تعرضت الحياة الزوجية لازمة طارئة، على نحو ما يوصي به في قوله تعالى: "وعاشروهن بالمعروف، فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". فمطالبة الإسلام الرجال بعدم الإضرار في العشرة، وبالصبر عند الضيق بالزوجات ينبئ عن حرصه على بقاء السكن بين الزوجين.
والقرءان الكريم بعد ذلك، فيما يتصل بالزواج وان هدف إلى الانسجام، لكنه لم يقصد إلى الغاء احد الطرفين في حالة الزوجية، بل أبقى على فردية الاثنين، ونظم الحياة بينهما، بحيث تكون مثمرة لصالحهما وصالح الانسانية. ومن أجل ابقائه على فردية الاثنين لا يسلب من أحدهما كفرد حقوقه الشخصية بعد الزواج. ولهذا كانت للفرد حقوق شخصية وحقوق أخرى زوجية بعد الزواج، وعليه واجبات متنوعة كذلك. فالزوجة مع يسارها نفقتها في مال زوجها. ومع ارتباطها في عقد الزوجية بزوجها فلها وحدها حق استثمار مالها الخاص بالطريقة التي تراها، ولها حق ممارسة عقيدتها الخاصة، واتجاهها السياسي الخاص، وحق التعبير عما ترى.
ولكن كفاءة هه الحرية، لها أو لزوجها، في حدود عدم الاضرار باحد الطرفين في الزوجية.
واذن رسالة القرءان في علاقة الزوجين، بعضهما ببعض، هي التوازن، والتعادل، والانسجام، على نحو رسالته في سلوك الفرد مع نفسه، ونحو مجتمعه.
اما الاضرار في المعاشرة فالنهي عنه ليس وقفا على العلاقة الزوجية. بل هو منهى عنه في اية علاقة اخرى بين انسان وانسان. ولكه هنا اشد والزم، لانه يتنافى تماما مع الزواج وهدفه.
صلة الاولاد بالوالدين:
والقرءان الكريم في صلة الاولاد بالوالدين هدف ايضا إلى التعادل، والتوازن، والانسجام. نظر إلى هذه الصلة في صورتها الواقعية، نظر اليها على أنها صلة مرجوحة من جانب وراجحة من جانب ىخر. نظر اليها على أن الطرفين في علاقة احدهما بالاخر ليسا في درجة متساوية ولا في وضع واحد، علاقة الوالدين باولادهما اشد واقوى من علاقة الاولاد بوالديهم. فالوالدان، حسب الفطرة السليمة، يتفرقان في ميلهما ومحبتهما لاولادهما اكثر من هؤلاء في ميلهم ومحبتهم لوالديهم.
والصلة بين الاولاد في دائرة الميل والحب اذن صلة غير متكافئ، وتعلق احد الجانبين بالاخر تعلق غير متعادل.
ويشير إلى عدم التكافؤ والتعادل هذا ان القرءان في مخاطبة االاباء لم يذكر اولادهم - في اية من الايات التي ذكرهم فيها - الا على انهم زينة ومتعة في حياة والديهم.
ومن أجل انهم زينة، أي زينة، ومتعة أي متعة جعلهم بالنسبة لوالديهم فتنة وموضع اغراء. ثم مع ذلك فيما ذكرهم لم يذكرهم الا مقترنين بالمال، الذي هو ايضا زينة ومتعة، وموضع فتنة واغراء. بل في بعض الايات كاد يقصر القرءان الكريم الدنيا وزينتها على الاولاد والمال: يقول الله تعالى في سورة الكهف:
"المال والبنون زينة الحياة الدنيا". ويقول في سورة التغابن: " انما اموالكم واولادكم فتنة" ويقول في سورة الحديد: " اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والاولاد".
ومنطق التعبير عن الاولاد بانهم زينة الحياة، او فتنة الدنيا، أو موضع التفاخر فيها - ان تعلق الوالدين باولادهم تعلق شديد، بحيث يجعلهما لا يريان في الحياة الدنيا - سواء في مظهرها او مخبرها - الا الاولاد اما بجانب المال او في منزلة بعده.
بينما القرءان نفسه - في ذكره للوالدين لم يعبر عنهما بانهما في حياة الاولاد زينة، أو موضع فتنة وتفاخر لهم، بل في ذكره لهما ذكرهما على أنه يجب ان يكون موضع رعاية من أولادهم، فقال في سورة النساء: "وبالوالدين احسانا". وفي سورة البقرة: "يألونك ماذا ينفقون، قل ما انفقتم من خير فللوالدين .. " وفي سورة لقمان: "ووصينا الانسان بوالدجيه احسانا" وفي سورة الاحقاف: "ووصينا الانسان بوالديه احسانا".