تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجنة، كيف استطاعت أن تدبر تدبيرا مطلقا جميع الحياة التي على وجه الأرض. هذه القضية لا تزال أعظم أعجوبة من أعاجيب العالم.

"أيهما وجدت فبل الأخرى الدجاجة أم البيضة"

هذا لغز تعبت فيه الأفكار زمانا طويلا وقد حل الان حلا نهائيا. والجواب هو لا هذه ولا هذه، بل سبقتهما للوجود خلية أولية. والبيضة انما هي غذاء للجنين، وهي تشتمل على الخلية المفردة التي التقت مع الفها أي عشيرها. فمتى اتحدت الجنات التي في الخلية وانقسمت، فان هذه الجنات والستيولازم تجبر الان على ان تنتج دجاجة تضع بيضة أخرى.

والمادة على هذا الشكل لا غرض لها، فليست لها غاية حتى في طاعتها للقانون، ولكن الحياة في كل مادة لها غرض محدود، كان تنشئ شجرة أو كرمة عنب أو فيلا أو انسانا باتفاق تام على خطة محدودة رسمتها الجنات.

ان الحياة ترغم على التناسل من أجل بقاء الجنس بدافع قوي حتى ان كل مخلوق يبذل أعظم تضحية لهذا الغرض ... ففي بعض انواع الحيوان كذباب مايو مثلا يموت دفعة واحدة عدد من أفراد هذا النوع حين يتم عمله. وهذه القوة القاهرة لا توجد حيث تفقد الحياة. فمن أين نشأت هذه الدوافع المسيطرة ولماذا تستمر بعد نشأتها ملايين السنين؟ انه قانون طبيعة الحياة، وهو في قوته مثل التركيبات الكيميائية المسيطرة. انه يأتي من فوق أي ارادة الله عز وجل.

ان الاختلافات الجوهرية الموجودة بين جميع المواد العنصرية لام الجميع وهي الأرض، وبين كل ما فيه حياة هي أنه على حين العناصر يمكن أن تتحد وتتبلور وتتغير في المظهر، لا يوجد أي تغير في الذرات ولا علاقة محسة أي مشعور بها بينها. بل بالعكس، نرى الكائنات المتصفة بالحياة تنظم جميع العناصر في مجموعة من التراكيب الجديدة، كل في مجاله من العمل، تتنافس كلها في بذل الجهود لحفظ هذه الصلات الحية. وهذا التعاون الموروث النشيط مفقود تماما الا حيث توجد الحياة. وانه لم يقدر حق قدره مع أنه قانون عظيم لا يقل عن قانون الجاذبية، ولابد أن يكون قد جاء من المصدر نفسه الذي صدر منه قانون الجاذبية. ان مثل هذه القوانين لهي ناشئ عن ارادة الله التي تسيطر على جميع العوالم وليس ناشئا عن المصادفة.

لقد علمنا أن الجنات متفق على الاعتراف بأنها تنظيمات دقيقة أصغر من الذرات المكروسكوبية في خلايا الوراثة في جميع الأشياء المتصفة بالحياة. وهي تحفظ التقدير، والسجل السلفي، والخواص اللازمة لكل شيء حي، وتتحكم بالتفصيل في الجذر والجدع والورقة والزهرة والثمرة من كل نبات تحكما تاما في غاية الضبط كما تقرر الشكل، والقشور والشعر والأجنحة لكل حيوان ويشمل ذلك الانسان. اذا سقطت حبة من ثمر البلوط على الأرض فالقشرة السمراء لخارجية تحفظها سالمة. فتتدحرج الى حفرة من الأرض. وفي الربيع تستيقظ الجرثومة فتنشق القشرة ويظهر الغداء من اللب الشبيه بالبيضة الذي كانت فيه الجنات مختفية. فترسل العروق في الأرض واذا بشطء يخرج من الأرض في شكل نبتة ضئيلة وبعد سنين تصير شجرة. ان الجرثومة بما فيها من الجنات قد تضاعفت ملايين الملايين وكونت الجذع. والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة كل ذلك مماثل تمام المماثلة لشجرة البلوط التي تولدت منها. وفي خلال مئات السنين بقي محفوظا في ثمار الضبط مطابق للنظام الذي نشأت منه أول شجرة بلوط منذ ملايين السنين الماضية.

لم تحمل قط شجرة بلوط ثمرا، ولم يلد حوت قط سمكة. ومزارع القمح المتموجة متماثلة في كل حبة من حبوبها، والحنطة هي الحنطة، والقانون يتحكم في التنظيم الذري بالجنات التي تقرر كل نوع من الحياة من بدايتها الى نهايتها.

لقد قال هيغل أعطني هواء ومواد كيميائية ووقتا، وأنا أصنع انسانا، ولكنه أغفل وحدات الوراثة الجنات وأغفل الحياة نفسها. لقد كان عليه - لو استطاع! - ان يجد الذرات غير المرئية وينظمها ووحدات الوراثة (الجنات) ويمنحها الحياة! وحتى في هذه الحالة تكون النتيجة، بنسبة ملايين الى واحد، ولو انه نجح في ذلك لقال أن الأمر لم يكن مصادفة مجردة، ولكنه ثمرة عقله وارادته!.

حقا ان الله هو الذي يخلق المعجزات والخوارق وينشئها بطرق وأساليب تخفى على أذهان البشر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٦٧