تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 .................... ص 19

درس في التضحية من الأضحية

للأستاذ: محمد عمر الداعوق

يقول الله عز وجل لنبيه (ص) (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ... )

نعم إنه ليقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت بت فؤاده، ووضع له في هذه القصص الحقن والموعظة والذكرى للمؤمنين.

إن الله عز وجل لم يذكر لنا قصة من قصص القرآن الكريم، غلا ويردنا أن نتدبر معناها، ونسير غورها حتى نفقه مغزاها فنستخرج منها الحكم ونأخذ منها العبر، عن كنا من أولي الألباب كما يقول في ذلك (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب .. )

ومن هذه القصص البليغة قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إسماعيل، وفيها تبرز لنا أعظم التضحية، تضحية الأب الحليم الأواه المنيب بابنه الصادق الوعد الأمين .. تضحية وأي تضحية ...

لو عرضت على الجبال الراسيات الشامخات لما أطاقتها ولاعتذرت منها ... تصور أيها القارئ الكريم أبا شفوقا كان قد حرم الذ1رية، حتى إذا بلغ الشيخوخة وكاد أمله ينقطع من الولد، إذا بالذي اصطفاه خليلا في الدنيا يرزقه غلاما زكيا وفيا ... حتى إذا بلغ معه السعي، وأصبح يليق بوراثة الحكمة والنبوة، أو بمعنى آخر أصبح الساعد الأيمن لهذا الأب العجوز، يعتمد عليه في المهمات والملمات، فبنى معه أول بيت وضع للناس (وأذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل).

أقول حتى إذا بلغ هذه السن المنتجة النافعة التي تملأ قلب الأب سرورا وبهجة وتكحل عينيه قرة وجمالا، إذا بالذي ينعم عليه بت يسأله ...

نعم يسأله إياه تلميحا لا تصريحا ليترك له مجال التهرب إن لم يستطع تحمل المحنة غير أن اللبيب من الإشارة يفهم، ومن أولى بابي الأنبياء بهذه النباهة، فاعتبر المنام وحيا صريحا، وعده امتحانا واختبارا للمحبة الإلهية، فما كان منه إلا أن سارع إلى ابنه وحبيبه يعرض الأمر عليه ليرى رأيه فيه، ولكن الغبن العليم الحكيم كما وصفه ربه كان عند حسن ظن أبيه كما كان أبوه عند حسن ظن ربه بت ... فبادر يقول لأبيه الصديق الوقور: يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ..

يا لله ما أعظم هذه التضحية من الأب .. يا لله ما أعظم هذا البر من الابن .. وهل هناك تضحية أعظم من أن يقدم أحدنا ولده فلذة كبده وحشاشة قلبه قربانا لربه؟ وهل هناك بر أعظم من أن يقدم أحدنا رقبته لأبيه ليذبحه؟ وهل أبقى هذا الأب الجواد الكريم تضحية تعدل هذه التضحية؟

وهل أبقى هذا الغلام المرضى برا على وجه الأرض يعدل هذا البر؟

سجل يا تاريخ سجل! وتكلمي يا أيام.

تعال أيها القارئ العزيز نقرا معا هذه القصة العجيبة الفريدة من سورة الصافات (رب هب لي من الصالحين .. الآية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٩٦