دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 .................... ص 32
أمراضنا الاجتماعية
للأستاذ عبد العزيز بنعبد الله
هناك ثلاثة عوامل تردع المرء عن ارتكاب الرذيلة وتحدوه إلى الفضيلة وهي عوامل قد تجتمع وقد تفترق في نفسية الفرد، وهي كذلك تقوى وتضعف تبعا للأشخاص، فإذا تكتلت وتضافرت لتمتزج بروح الإنسان جعلت منه مثالا للكمال البشري، وليس كل الناس. ولكن اجتماعه ليس بالضروري بحيث إذا انتفى ينتفي الكمال.
تلك العوامل هي العاطفة الدينية والوازع الخلقي (أو الضمير) والضغط الاجتماعي. فلننظر إلى أي حد تقوى الحوافز أو تضعف في نفسية المجتمع المغربي؟ لاشك أن هناك افرادا تضائل في نفوسهم الوازع الديني إلى حد أصبحوا لا يتأثرون البتة بهذا العامل كزاجر يكف العقل عن الارتياب، والغرائز عن الانطلاق، والجوارح عن الجموح، فدعاهم ذلك إلى نكران وجوده بالمرة، أو الاستهانة بماله في ميدان الاستقامة من اثر فعال، ومستندهم في ذلك لا يعدو شيئين اثنين: أما كونهم يستدلون باستهتار بعض رجال الدين أو بعض ادعياء الطرقية المارقين، وأما كزنهم يعتبرون أنه ما دامت نفوسهم مجردة من هذه العاطفة نفسها لا يمكن أن توجد. وكلا الدليلين ضلال في ضلال. وهذا ما يدعو الكثير من الناس الى استهوان مناهج الإصلاح التي سلكها السلف من وعظ قد يكون مجردا عما يسميه بعضهم اليوم بالتحليل والتعليل. وان الذين يرتكبون هذا الأسلوب من الخطباء والوعاظ قد يكونون عاملين على أساس وجود ما نسميه بالوازع الديني الذي لا يكفي لإذكائه والتأثير عليه مجرد التذكير. وهو منهاج مازال ينتهجه في هذا العصر الذري رجال الدين وكبار المفكرين في أوربا. ولكن المغرب يجتاز اليوم مرحلة نفسية عصيبة اجتازتها قبله دول إسلامية كبرى كمصر فاضطرت الى تغيير الأسلوب لان الوعظ لم يعد موجها لقوم كاملي الإيمان تكفي في ردهم أية قرآنية أو حديث نبوي بل أن هذا الشعب - وكم له من نظير في حظيرة الشعوب-. يحتوي على طرائف شتى فيها الملحد الصرف والمتشكك الحيران والمادي الذي لا يستجيب إلا لغرائزه، والطيب النفس النبيل الذي يشك ويماري لا عن عقيدة راسخة ولكن لكونه لم يجد من يهديه ويتدرج بحكمة ولباقة إلى سويداء قلبه، فيجيل به بصيصا من النور بالبرهان تارة - وبالوجدان تارة أخرى.
فالواعظ الحكيم هو الذي يسعى إلى التأثير بأنجع الأساليب، وهذا يستدعي منه زادا من الثقافة النفسية والاجتماعية لان المصلح الحق بقدر ما يجب أ، يكون بسيكولوجيا يتحرى مواضع الداء، وينتقي لها أنجع الدواء، محاذرا أن يعدي العضو السليم بما قد يعلق في أداة تشريحه من جراثيم.
ولكن كما اننا لا نريد من المصلح أن يكتفي بتملق شعور الناس. أي استشارة عواطفهم الدينية والضرب على وترها الحساس، لان فيهم من لا ينجح فيه هذا الأسلوب- كذلك لا نرضى من المصلح الحق ان يتملق الأهواء وأن يؤدي به الميع أو حب الأغراب الى الزيغ عن مبادئ الإسلام القويمة، فنحن نحب التجديد ونسعى للتجديد، ولكننا لا نريد أن يتم ذلك التجديد خارج نطاق الروح الاسلامية الناصعة التي لو تقمصناها على حقيقتها لصرفنا في قافلة الدول المتمدنة، برأس شامخ، وقدم راسخة. ولعمري أن هنالك أمما إسلامية أشد تعلقا منا باهداب الدين، ومع ذلك فهي من أرقى الامم وأوفرها تقدما وحضارة.