دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 .................... ص 29
حاجتنا لدراسة علم الاجتماع الديني
للأستاذ ادريس الكتاني
إذا كان اختياري قد وقع في هذا الحديث على علم الاجتماع الديني بالذات فلان هذا العلم الحديث يكاد يكون مجهولا لدى طلاب اللغة العربية بالمغرب، ولأنه يحتل اليوم مكانا عظيم الأهمية عند علماء الاجتماع المختصين بألمانيا وأمريكا وانكلترا وفرنسا، وقد أصدر هؤلاء عدة كتب عنه بلغاتهم، لم يلبث أن ترجمت إلى اللغات الأخرى، وفوق ذلك فان موضوع علم الاجتماع الديني أصبح مادة أساسية في كليات العلوم الاجتماعية بالولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوربية، بل انعقدت مؤتمرات دولية خاصة لتبادل المعلومات عنه، والسعي في توحيد الآراء حول موضوعاته ومنهج البحث فيه.
ولكن كيف وقع الاهتداء إلى ضرورة وضع علم اجتماع خاص بالدين؟ والجواب: حيث أن وموضوع علم الاجتماع هو الدراسة العلمية للسلوك الإنساني المتشابه والمشترك، وتحليل العلاقات الاجتماعية، فقد امتدت هذه الدراسة لتشمل كثيرا من ميادين النشاط الإنساني، فظهر علم اجتماع اقتصادي، وعلم اجتماع قانوني، وعلم اجتماع للشغل، وأخر للسلوك السياسي، وأخر للنقابة، وهكذا من الطبيعي أن يظهر علم اجتماع ديني بالأولى نظرا للمكان الممتاز الذي تحتله دراسة الظواهر الدينية من بين مجموعة العلوم الاجتماعية.
ما هو إذن علم الاجتماع الديني؟ وماهي الموضوعات التي يتناولها بالبحث؟ ثم ما هي جدوى دراسة هذا العلم بالنسبة للمغرب ولأقطار العالم الإسلامي؟.
أما موضوع هذا العلم فهو بصفة عامة دراسة ظواهر الحياة الدينية في جميع أشكالها، وذلك باستخدام التاريخ المقارن للأديان، وعلم الأجناس، وطرق الإحصاء الاجتماعي كأدوات لهذه الدراسة، ويعتقد بعض الاجتماعيين أنه إذا كان الشرط الأول في الحديث عن الفن أو الشعر هو أن يتذوق المرء نفسه الشعر والفن، فالشرط الأول الذي يجب أن يتوفر لدى الباحث الذي يريد فهم المؤمن والمجتمعات المؤمنة، هو إن يكون قد ساهم، هو نفسه، في فترة من حياته، في اعتناق عقيدة، وأن تكون مساهمته فيها وجدانية عاطفية على الأقل، وهنالك أراء أخرى في طرق البحث التي ينبغي استخدامها، والواقع أن علماء الاجتماع لا زالوا يختلفون في تحديد موضوعات علم الاجتماع الديني وطريقة تناولها.
ولنستعرض لراء ثلاثة من علماء الاجتماع المختلفي الجنسية، كتبوا في علم الاجتماع الديني مجلدات كبيرة، وتناولوا هذا الموضوع بأساليب مختلفة، لنأخذ فكرة مصغرة عن ماهية هذا العلم.
فالاجتماعي الألماني مانشينج G.Menching يتحدث في كتابه (علم الاجتماع الديني) عن أشكال المجتمعات الدينية الوطنية، وعن الدين العالمي والدولة، وعن نظام الدين، والرؤساء الدينيين، وعن تناقص المجتمعات الدينية والأديان الحية، وعلاقات المجتمعات الدينية فيما بينها.
بينما نجد الاجتماعي الامريكي جواشام ويشي في كتابه (علم اجتماع الدين) Jaachim wach يدرس علاقات الدين بالمجتمع في نظامه الطبيعي، وعلاقات الدين مع كل نوع من أنواع المنظمات حتى الدولة، ويجعل للتجربة الدينية أشكالا للتعبير، فتعبيرها النظري هو العقيدة، وتعبيرها التطبيقي هو العبادة، وتعبيرها الاجتماعي هو الاتحاد، ويستخلص من كل ذلك إلى النتائج ودور علم الاجتماع