الراشدين من بعده، وقد أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه بقوله: «وشاورهم في الأمر». ومدح الصحابة باعتماد الشورى بينهم بقوله سبحانه: «وأمرهم شورى بينهم» كما ساق في قصص القران قصة مشاورة ملكة سبأ لملاها وجماعتها حيث قال عز وجل: «قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون، قالوا نحن أولو قوة وأولو باس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين» إلى أخر المحاورة.
فقد أمر الله نبيه الكريم بالشورى ومدح المتصفين بها وحكى كيفية تطبيقها في امة متصفة بها في موضوع الكفاح من اجل السيادة القومية، أو الاستسلام لدولة أجنبية وذلك في محاورة ملكة سبا مع ملاها فدل كل ذلك دلالة واضحة على إن الحكومة الشورية أصيلة في الشرع الإسلامي كما دل الحديث النبوي على إنها هبة ورحمة من الله لأمة محمد (ص) ووسيلة من وسائل ورشدها، وذلك ما حصل لهذه الأمة الإسلامية وقت تكونها منذ ما يقارب أربعة عشر قرنا قبل تشريع أوربا وتشدقها بهذه الديمقراطية الخليعة المزيفة، أو بمنزل عنها على الأقل، فقد اخرج المحدث البيهقي في كتابه شعب الإيمان بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) أما أن الله ورسوله لغنيان عنها (أي عن المشورة) ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا. انتهى الحديث، وأنا نريد أن نقول بلسان فصيح لبعض الباحثين الذين يصفون الحكومة الإسلامية بوصف المستبدة نقول لهؤلاء أن الحكومة المستبدة لا وجود لها في التشريع الإسلامي وإما ينفرد بالاستبداد من فعله، وأن ملوك الإسلام بايعتم رعيتهم على أساس العمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وقد ذكرنا بعض ما في الكتاب والسنة من موضوع الشورى وكل المغاربة يعلمون أن تولية ملوك المغرب كانت تحصل على أيدي علماء الدين وبواسطتهم ويسجل فيها بكل وضوح إنها على كتاب الله وسنة رسوله، ولا يزال المغربة يذكرون قول ملكهم العظيم الراحل في كل مناسبة (إن المغرب دولة إسلامية)، وأن المغاربة ليفخرون بملكهم الذي وفقه الله لإقامة الحكم في مملكته على أساس الدستور القائم على الشورى التي هي ركن مهم من التشريع الإسلامي وأن رد حق الشورى لرعيته المسلمة لمأثرة عظيمة عزيزة الوجود، فقد غصب الأمويون والعباسيون منذ قرون هذا الحق من الأمة الإسلامية أثر زمان الخلفاء الراشدين حتى أن الخليفة العادل الراشد عمر بن عبد العزيز لم يستطع رغم ما بذله من جهد إقامة هذه الشورى لكثرة عصبية بني أمية عليه، فكفى ملكنا شرفا وفخرا أنه ظهر ناصحا أمينا للشورى الإسلامية ونجما متألقا في زمن قل فيه الملوك الناصحون، ونشير الآن إلى أساس تكوين الحكومة الإسلامية ومجال عمل أولي الأمر فيها وموضوعات هذه الشورى الإسلامية في الإسلام فنقول:
إن الأمة في طور انتقالها تكون في أشد الحاجة إلى الحكومة الإسلامية ومجال عمل أولي الأمر فيها تيارات من التدهور والإلحاد والانحلال، فتحتاج الأمة إلى من يعرفها أصول الفضائل ويبين لها شدة الحاجة للمحافظة على مقومات الأمة ومقدساتها التي تتكون منها أهم الروابط الاجتماعية. وكذلك تشتد الحاجة إلى الجماعة المخلصة الموجهة إذا كانت الأمة راغبة في حياة عالية من النهوض ورفع مستواها الخلقي، الذي يعتمد الإيمان باله وبحقها في الحياة، لنصل حاضرها الزاهر، بتاريخها المجيد، وماضيها الباهر، حتى لا تضل الأمة في مجموعها الطريق السوي، أو ترتع المرتع الوبي، فتصاب بنكسة أو تلتبس بخسة، إذ القافلة في حالة السير تحتاج الى الدليل الخبير، يسلك بها أقرب الطرق إلى الغاية ويجنبها مسالك المهالك والغواية.
ولعل الجماعة الموجهة التي وصفنا مزاياها هي جماعة أولي الامر التي تتفهم الأوضاع بالعقول الراجحة وتوجه الجمهور في السبيل الواضحة، لأجل ذلك أمر الله العامة برد الأمور أليها في وقت الالتباس لأنها أقعد بمعرفة أوجه الاستنباط والقياس، فقال الله تعالى: «واذا جاءهم امر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم». وفائدة هذا الاستنباط هو العمل به وهذا المعنى يحملنا على فهم السر في قرن طاعة أولي الأمر في آية أخرى بطاعة الله وطاعة رسوله، كما قال تعالى: «يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». فذكرت الآية الأمر بالطاعة في جانب الله وجانب الرسول ولم تذكره في جانب أولي الأمر إشارة إلى استقلال طاعة الله وطاعة رسوله إما طاعة أولي الأمر فهي بالتتبع دون الاستقلال بمعنى أنهم إذا خالفوا أمر الله وأمر رسوله يقع التحاكم إلى الله ورسوله ولذلك ورد بعد هذه الآية فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.