دعوة الحق س4، ع7 - ابريل 1961 .................... ص3
دراسات إسلامية: دواء الشاكين وقامع المشككين
للدكتور تقي الدين الهلالي
-13 -
قال المؤلف: وإذا نظرت في المجهر ترى تحته أصغر حيوان وأصغر زهرة مزدانة بخطوط الجمال المحكم (صنع الله الذي اتقن كل شيء أنه خبير بما تفعلون)، والخطوط البلورية من العناصر والمركبات من ندفة الثلج الكبرى إلى أصغر شكل منها تراها متقنة الصنع بشكل مدهش، حتى أن الفنان مهما بلغ في فنه فليس في إمكانه أن يزيد عليها شيئا.
وغاية ما يقدر عليه أن يحاكيها أو ينتزع منها خطوطا وأشكالا فيؤلفها ويجمعها في شكل واحد، فكل ورقة من كل شجرة سليمة تراها قد برزت في أحسن صورة من الكمال، وترى ظاهر كل نبات قد وضع على صورة بتصميم خاص لخطوطه في فن رائع، وترى الأزهار قد صورت في غاية اختيرت لها من الجمال والكمال، وألوانها قد وزعت بشكل عجيب.
إن الحيوان الكامل هو شيء جميل، وحركاته ممتلئة والفخامة، والوادي الأخضر والنهر، والأشجار الباسقة، وقمم الجبال المغطاة بالثلج، كل ذلك يحدث في النفس روعة وأثرا عظيما، وأن في منظر كثبان الرمال الممتدة في الصحراء المنتشرة فيها لبهجة عظيمة.
وأن جلال تتابع أمواج المحيط وانكسارها على أرض الشاطئ، وتحليق الطير في الجو على البحر أو على شاطئه أو الغابة بألوانها الجميلة المختارة، كل ذلك يتحدى من له بصر يبصر بع وعقل يعقل به ويقدر الأمور حق قدرها، وحركات الحيتان في سهولة ويسر وتموجات نبات البحر تحت الماء أسفل تملا نفس الإنسان بمعنى من الانسجام يستجيب لما يتطلع إليه ويشتاقه، والطبيعة إذا لم يغيرها التحريف والتشويه تظهر مستعدة لتثير فينا أسمى وأجمل ما في نفوسنا من الشعور الباطن، وتوحي إلينا الإعجاب يصنع الخالق الأعلى الذي وهبنا هذه الهبة من الجمال، وهي نعمة لا يدركها إدراكا كاملا إلا الإنسان وحده، والجمال هو الذي يرفع الإنسان وحده إلى مرتبة يكون فيها قريبا من خالقه.
ويظهر أن الغاية واحدة في جميع الأشياء من السنن الكونية الكبرى التي تسير العالم بإذن الله غالى الذرات التي تنبني عليها حياتنا، ولو لم يكن للتطور هدف غير إعداد مادة لتلقي الروح، لكان ذلك غرضا مدهشا في حد ذاته، وإذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لجميع الأشياء، وصدقنا أن الإنسان هو أهم مظهر لتلك الغاية، فان الاعتقاد العلمي بأن جسم الإنسان وجهاز دماغه مادي يمكن أن يكون صحيحا تماما، فان الذرات والهباءات في المخلوقات المتصفة بالحياة تعمل أشياء عجيبة وتصنع أجهزة مدهشة.
لكن مثل هذه الأجهزة ستبقى عديمة الفائدة إلا إذا حركها العقل حركات مقصودة ذات غرض، إذن فهناك مدبر لهذا الكون لا يستطيع العلم أن يحيط بكنهه، ولا أن ينسبه إلى المادة، ولن يتجرأ العلم أن يقول أنه مادي بل هو الخالق الأعلى الذي لا سبيل إلى الإحاطة بعلمه.
تعليقات
انتهى هذا الفصل من كلام المؤلف، وقبل أن ندخل في الفصل الثاني ينبغي لنا أن نعلق على ما ترجمناه تعليقا يزيده وضوحا وبيانا: