بعد أن حتم التاريخ في عصرنا هذا زوالها وانقراضها، وحكم عليها بصفة نهائية، ولأن الإستعمار يعتقد أن ما فرض التاريخ زواله يمكن للسينما أن تعيد هيبته. والآن يسعى الإستعمار فعلا لفرض أشكال جديدة للتوسع الإمبراطوري، إن عهدنا عهد دول متحررة مستقلة تتعايش فيما بينها تعايشا أخويا سليما، ولم يعد هناك من مكان لإمبراطورية خرافية عسكرية أو سياسية تحكم العالم.
إن ما ذكرناه، من هذه النماذج السينمائية، تتبلور الآن في إتجاه سينمائي إستعماري يأخذ في النمو والإنتشار، والأفلام التي تتعاطى هذه الدعايات تزينها بهالة من الجماليات والمثيرات الشكلية والتقنية (إثارة الإخراج- ألوانا طبيعية جذابة- فخامة العرض- سينما سكو ب) وبمهارة خبيثة في إخضاع المواضيع إلى أساليب نفسية وحيل فكرية تراود المتفرج البسيط منطقه وتتغلب عليه وتهزمه، بحيث يتقبل الفيلم الذي ينقع سما، بحماس نفسي وتخدير ذهني واقتناع تلقائي، لاسيما إذا رفقت هذه المؤثرات بمظاهر الإثارة الجنسية النسائية، فيجب المتفرج العلاقة الصريحة بين بطل الفيلم الرجل، وبطلة الفيلم الأنثى، ومن خلال ذلك يحب الدعاية التي توصى بها، لقد انتبهت إلى أخطار السينما الإستعمارية عدة جماعات متحررة في الحق السينمائي، فهبت تحارب سمومها بإنتاج أفلام تحترم الصدق والواقع والشرف، لكن رؤوس الأموال التي سيطرت على هوليود قررت - كما يظهر- القضاء على أية نزعة سينمائية إنسانية في أي قطر يمكن أن تسلسل إليه، وإخضاع الصناعة السينمائية في العالم إلى إرادة وتوجيه هوليود والامتيازات المالية المتحكمة فيها، وإن البحث عن الربح الفاحش لمن جملة أغراض هذا التوسع.
إن شركات السينما الضخمة في هوليود تفتح لنفسها فروعا في العواصم الدولية وتتدخل لتشارك الشركات الوطنية الناشئة في القطار الرأسمالية ومن ثم تمتعها بضخامة رأسمالها، والسينما العربية نفسها مهددة بمثل هذه الأخطار.
إننا نرى الآن أفلاما إيطالية أو يابانية أو فرنسية أو المانية من حيث المظهر لكن باتجاه فرضته عليها هوليود وشركاتها، وهكذا فكما يسعى الاقتصاد الاستعماري في أمريكا للسيطرة على اقتصاديات الشعوب، يسعى الفيلم الأمريكي في هوليود كذلك إلى السيطرة على الصناعة السينمائية الوطنية للبلدان.
إن محاربة إتجاه كهذا في الدول التي تتوفر على صناعة سينمائية، يجب أن تتم في إطار السياسة الوطنية للتحرر من التبعية الأجنبية وسيطرة رؤوس الأموال الأجنبية التي لها الآن جانب سينمائي، ثم تعاظم حركة تقد سينمائي يفضح باستمرار هذا الاتجاه الاستعماري، ويحمي الوطنية منه وينبه المواطنين إلى إخطاره.
أما في الدول الفتية التي لاتتوفر على نهضة سينمائية وإنما تعتبر كسوق مستهلك للأفلام الأجنبية، فيجب تكوين رقابة صارمة واعية على الأفلام وتشجيع نهضة متينة في النقد السينمائي، وإدراج محاربة الأفلام المسمومة في إطار حماية الثقافة الوطنية من التأثرات الاستعمارية.
إن جهاز رقابيا متينا لن يقل أهمية عن الدفاع العسكري، لأن التهجم الاستعماري المتمثل في السينما أصبح في خطورته بمستوى الاعتداءات الثانية، لاسيما وأنه يدخل البلدان بحرية تامة وتحت ستار الفن ويجني أرباحا فاحشة بالإضافة إلى ذلك يخسرها المواطنون لتذهب إلى جيوب أعدائهم.
لقد نص المؤتمر الثالث للشعوب الإفريقية في القاهرة على ضرورة حماية الثقافة الإفريقية القومية من التزييف الاستعماري، ولعل محاربة منظمة للسينما الاستعمارية لتأتي في طليعة الإجراءات الواجب اتخاذها في هذا الصدد، طالما أن الكفاح الإفريقي والتقاليد الإفريقية وتاريخ إفريقيا أصبحت مرمى دائما لهذه السينما التي يتزايد خطرها يوما عن يوم.