تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الثقافة لاتكتسب قيمة إلا إذا إهتم المثقفون بمصالح الناس وجعلوها موضوعا لنشاطهم، وتخلوا عن أبراجهم العاجية ليشاركوا الشعب في أعماله ومشاكله.

إن التناقض المأساوي نصدره أن الصناعة كلما تابعت تقدمها الهائل كلما نتج عن ذلك تناقض كبير قد يؤدي بالإنسانية جمعاء. ويكفي أن نذكر هنا بعض الأمثلة لنأخذ فكرة واضحة عن البؤس المفجع الذي عرفناه في عهد الحضارة الصناعية بلإفريقيا الشمالية وغيرها، وتوجد أمثلة أخرى ليست أقل دلالة مثل البحث الذي أجري سنة 1842 في إنجلترا لمعرفة الأوضاع التي كان النساء والأولاد يعملون فيها داخل مناجم الفحم، وقد أرفق الباحثون تقريرهم بصور تجعل الناظر إليها يصيبه دوار اليم وتجعلنا نتساءل فيما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش بالنسبة لهؤلاء الأولاد العاماين الذين قسا عليهم القدر في مرحلة مبكرة، وكذلك بالنسبة لهؤلاء النسوة الائي أرغمن على ترك منازلهن وأطفالهن للتوجه إلى حفر سوداء ضيقة لاتتوفر فيها الشروط الصحية. وتظهر لنا إحدى هذه الصور أمرأة تجر عربة من الفحم في ممر منخفض لايسمح لها أن تعتدل في مشيتها فتضطر إلى السير على أيديها وركبتيها لإنجاز عملها الشاق (1).

لقد أصبح يتحتم على الإنسان أن يسير على أربعة أرجل في عهد الحضارة الصناعية! إن هذه الصور تذكرنا بعمال آخرين في مجتمع آخر وهم صناع الزجاج في مصر القديمة (2500 عام قبل المسيح). وهذا الماضي مايزال ممتدا في اشكال أخرى وإن كانت أقل ضراوة.

وإذا كان عدد ساعات العمل قد خفض في بعض الدول الغربية فإن الأمر ليس كذلك في جميع الدول، فمثلا نجد القانون الذي يحرم تشغيل الأولاد أكثر من عشر ساعات في اليوم داخل فرنسا لايرجع تاريخ صدوره إلا سنة سنة 1898 وهذا القانون لم يطبق في المستعمرات الفرنسية حتى ولا في سنة 1960! ومما لاشك فيه أن أخطار العمل قد قلت نسبتها عن ذي قبل غلا أنه مازال هناك تكديس العمال في الأماكن غير الصحية وما زال الخطر منتشرا في المناجم مثل فاجعة (مارسينيل) في بلجيكا (غشت 1956) وفي كندا (نوفمبر 1956 وأكتوبر 1958) وحسب المنطق الجدلي لإنسجام الشخصية المرجو، فإن هذا الخلل يلقىالتيعة على الإنسانية والحضارة أو على الأصح يعتبرهما أساس المشكل. فقد أصبح الإنسان في القرن العشرين لايقود حياته الأخلاقية بنفس المهارة التي يدير بها أعماله وآلاته. ومن ثم فإن الوضع يتطلب مفهوما جديدا، موحد يشع بالحياة، وأصبح يحتم اتجاها آخر للمصير الإنساني.

لقد كان المتقفون في القرن التاسع عشر وإلى أوائل القرن العشرين معجبين بالتقدم فعبروا عن حماسهم لهذا التقدم بتأييدهم لأفكار (سان سمون) وأتباعه واعتناقهم للمذهب الوضعي (سواء الذي نادى به (أوجيست كونت) أو (ستيوارت ميل) أو (ليتري) أو (سبنسر) أو (رينان) وأيدوا مذهب التطور والمذهب العلمي، ثم فيما بعد التفاؤل البراكماتيكي للأنكلوساكسونيين وبخاصة عند (تايلر) و (فورد).

وبالرغم من ردود الفعل التي أبداها (بوترو) و (بروكسن) و (موريس بلونديل) وغيرهم من المفكرين فإن طفرة الصناعة والعلم والتقدم قد ظلت مزدهرة إلى أن وقعت الأزمة المشهورة سنة 1929 (اليوم الأسود the bleck day أكتوبر) التي زعزعت دعائم الرأسمالية الصناعية.

وفي فؤنسا كان (أمانييل مونيي) واصدقاؤه الشخصانيون أول من أقامو وزنا بخطورة هذه الأزمة فحاولوا أن يستخلصوا من عواقبها منطقا للعمل. وفي سنة 1932 أسسوا حركة الفكر ومجلة تحمل نفس الإسم ( Esprit) وفي نفس السنة ظهر أهم كتاب (لبركسون) " منبعا الأخلاق والدين" الذي ينتهي بفصل عنوانه " ملاحظات أخيرة" وفيه هذا الإنذار المتشائم الصادق:

" إن الإنسانية تئن، والتقدم الذي تحرز عليه يكاد يسحقها وهي لم تع تماما أن مستقبلها يتوقف على إرادتها. إن الأمر يرجع إليها أولا وأخيرا لترى ما إذا كانت تريد أن تستمر في الحياة، وأن تختار فيما

1) مقال عن الثورة الصناعية في L'Hutchinson Encyclopédia

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٥٢