الزنبور فإذا هو إياه، فقال سيبوية: أخطأت. الصواب أن تقول: فإذا هو هي. فقال الكسائي: لم أخطىء. فقال سيبويه: هؤلاء العرب بالباب يعني فصحاء البادية الذين لم يختلطوا بالعجم ولم تفسد لغتهم. فرضي بذاك الكسائي وبعت إلى العرب وأمرهم بأن يصوبوا رأيه إذا سئلوا فاستجابوا له لعلو منزلته عند الرشيد وأولاده. فدعي العرب فجاءوا وخاف الكسائي أن يطاب منهم النطق بهذه الجملة فينطقوا بها على ما قال سيبويه وهو الصواب، فقال الكسائي: (كنت أحسب أن العقرب أشد لسعا من الزنبور فإذا هو إياها) وقال سيبويه: (فإذا هو هي) فقال العرب: الحق مع الكسائي، فحزن سيبويه ومات غما، والدليل أن الحق مع سيبويه أن ضمير إياها من ضمائر النصب، والموضع يتطلب ضمير رفع لأنه موضع خبر المبتدأ. ثم تعود إلى المقصود بالذات فنقول: إن الزنبور حين يصيد الجندب الوثاب الذي يكون في الزرع يجري له ذلك العمل الجراحي في مكان معين من جسمه بإبرته التي هي جزء من جسمه لم يدرس علم التشريح ولم يتمرن على الجراحة والعلاج في أي مستشفى فكيف عرف الجسم المناسب من جسم الجندب وكيف قدر على إجراء تلك الجراحة بلا تعلم ولا تمرين؟ وكيف عرف أن الجندب بسبب تلك الجراحة يبقى على قيد الحياة ولكنه لا يستطيع الفرار؟ وكيف عرف أن بيضه سيتفقس بعد أن يصبح في خبر كان، وأن ذلك الجندب أفضل غداء لأولاده بعد خروجهم من البيضة؟ وكيف عرف الأولاد أن لحم الجندب إنما يكون هنيئا مريئا إذا تغدوا به وهو حي؟ فإذا أكلوا لحمه وهو ميت يكون سما قاتلا؟ إن الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات يعجز كل العجز عن إدراك هذا السر فكيف بالعلم به أو القدرة عليه، إلا يدل ذلك دلالة قطعية على أن وراء هذا السر مدبرا حكيما عليما يسر كل شيء لما خلق له عرف ذلك أم لا يعرفه فتبارك الله أحسن الخالقين.
2) قول المؤلف: كما فهل بعض أهل الهند الشرقية لا أدري ما يريد به مع أنني قمت في الهند سنين وجلت في ربعها من بمباي وكراتشي غربا إلى كلته شرقا ولي في تلك البلاد تلاميذ وأصدقاء كثير، فالرجاء من كل قارئ يفهم ما يريد المؤلف بتلك العبارة وخصوصا صديقنا الأستاذ المودودي وصاحبه تلميذي البر محمد عاصم الحداد أن يكتب إلى مجلة دعوة الحق بما يوضح مراد المؤلف، وأما القاعدة الإجتماعية التي قال المصنف لعل النمل قد توصل إلى إدراكها وهي (الخير الأكبر للعدد الأكبر) فيدل قوله تعالى في سورة المائدة: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله النبي (ص) يد الله مع الجماعة. وقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وقوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) وقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) إلى غير ذلك من النصوص.
3) قال المؤلف بسبب الغريزة أو بدافع التفكير (اختر منهما ما تشاء) يعني أن تلك الأعمال التي يقوم بها النمل تحيرت الألباب في مصدرها ومنشئها، فإن قلنا أنها ناشئة عن غريزة حيوانية فإن عقولنا تستكثر ذلك وتستعظمه على الغرائز الحيوانية وإن قلنا أن ذلك ناشئ عن تفكير فالتفكير يقتضي وجود العقل، لذلك خير المصنف قارئ كتابه أن يختار أي الرأيين يريد، وهنا يجيء المثل العامي (خيره تحيره).
4) كثيرا ما أجد المؤلفين من العرب في علم الحيوان والنبات قد اصطلحوا على ألفاظ يزعمون أنها عربية، ولا أجد لها أصلا في المعاجم العربية ولم يبقوها على لفظها الأعجمي، فاعدل عن الكلمة التي اصطلحوا عليها عمدا واكتفي بتفسير اللفظ الأعجمي إلى الحد الذي أظن معه أن القارئ يفهمه فيتوهم بعضهم أني لم أعرف تلك الكلمات المصطلح عليها. ومن ثم نشأ الاعتراض الذي أشرت إليه في الجزء الذي قبل هذا، وسبب هذا الارتباك والفوضى تقصير الأمة العربية دولا وجماعات في ضبط الأدب العربي واللغة العربية بوضع معاجم وافية شافية لجميع الألفاظ اللغوية والعلمية والأعلام بأنواعها فضلا عن موسوعة تجمع الآداب والعلوم العربية.