تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«في سنة 1927 اختير الملك الشاب محمد الخامس من طرف المقيم العام الفرنسي تيودور ستيك Theodor Steeg ليخلف أباه على العرش، وكان المغرب آنئذ في مفترق الطرق، فحرب الريف أظهرت بوضوح المطامح الوطنية وتصميم المغاربة على تحقيقها، وليوطي قد رفض خضوعه لإدارة رصيف اورسي في باريس، ودعم سيطرته على البلاد، وكان النظام الذي وضعه ليوطي يستبعد الأهداف الروحية ويتشبث بالوسائل لذلك أصبحت الحماية في الواقع استعمارا، ولكن عظمة محمد الخامس تتجلى في حفاظه على كرامته كإنسان وكملك طيلة حياته وخلال أحلك الساعات، وفي الحقيقة كان العامل الذي حدا بالمقيم «ستيك» إلى اختياره اعتقاده بأن محمد الخامس هو «العلوي» الأكثر مسالمة وانصياعا إلى أن محمدا الخامس ظهر مهتما بالسياسة ومتعاطفا مع مطامح شعبه، وإذ كان من المتعذر عليه المطالبة بالاستقلال في أول الأمر فقد حرص -في ظل الحماية- على الدفاع عن امتيازات العرش وسلطانه رغم الضغط والتهديد الذي كان يتعرض له من طرف الجنرالين: جوان وكيوم، وكان يسنده في مقاومته إيمانه القوي العميق، لقد كان محمد الخامس يعتبر نفسه إماما وخليفة لله بجانب شعبه.

وإني لأذكر الآن مقابلتي له خلال شهر مارس 1953 عندما كان ماسكا سبحته وكأنه يبحث عن الوحي الإلهي ليحدد اختياره، لقد كان ملكا وإماما في نفس الوقت، والواقع أن النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به الملك محمد الخامس يرجع في أساسه إلى الكيفية التي كان يستجيب بها لأداء رسالته بصفته شريفا من سلالة النبي محمد.

وبقدر ما كان -رحمه الله- متشبثا بالتقاليد، بقدر ما كان متفتحا متقبلا لأفكار الجديدة، وأن التعليم الذي أتاحه لأبنائه -وبخاصة لبناته- غير مبال بمعارضة الرجعيين، ليدل دلالة قوية على سعة بالتقدم العلمي».

وعندما تقابل مع الرئيس روزفيلت في الدار البيضاء أظهر له حزنه لكون بلاده لم تتوفر بعد على مهندسين واختصاصين تقنيين، مما يظهر تعلقه بالتقدم العلمي».

وقد نشرت صحيفة الاكسبريس L'Express مقالا لمبعوثها الخاص كلود كرييف تحت عنوان: «موت الأب» جاء فيه:

«عاشت مدينة الرباط منذ يوم الأحد الماضي في جو كله حزن ولوعة وحسرة، وكانت الرباط مقصد الآلاف من الفلاحين والعمال الذين غادروا البادية وتوجهوا راجلين أو على الدراجات والسيارات نحو قصر محمد الخامس، أما بقية الشعب التي لم تكن تتوفر على وسيلة للتنقل فقد تجمعت وبكت محمدا الخامس الذي أدمث وفاته المفاجئة قلب المغرب.

لقد امتلأ المشور -رغم الحرارة والصيام- بجماهير غفيرة كانت تتراحم متجهة نحو ضريح مولاي الحسن حيث وضع جثمان محمد الخامس، في هذا المكان بالذات استقبل الشعب المغربي منذ خمس سنوات خلت عاهله العظيم الذي عاد منتصرا من منفاه السحيق بمدغشقر أما اليوم فإن الحزن يجثم على كل القلوب، وقد تجمعت النساء سافرات في نفس الساحة يتدين ملكهن الراحل، وقد افقدتهن الفاجعة السيطرة على حواسهن - .. فكنت ترى الشيوخ يضربون الأرض بأرجلهم، والنساء يسقطن مغميا عليهن وكانت سيارات الإسعاف تطوف دون توقف لتحمل المئات من الأشخاص إلى المراكز الصحية التي نصبت في كل مكان.

وإنه لمن الصعب معرفة ما إذا كان قد تقدم في التاريخ مثيل لهذا الحداد .. ولكن الشيء المؤكد هو أني كنت أمام شعب فقد أباه.

والواقع أن محمد الخامس كان بالنسبة لشعبه الملك الذي يكفل له العيش ويسهر على راحته، ويحميه من قساوة الحياة ونوائب الدهر، ويمكن القول بأن محمدا الخامس أصبح بالنسبة لشعبه قديسا تملأ ذكراه كل الأفئدة.

ولفهم مكانة محمد الخامس -يجب الوقوف عند شخصيته ودوره التاريخي، فقد استطاع عندما نفي إلى مدغشقر أن يجسم -في نظر شعبه- ثورة الإسلام وتقاليده وأن يحمل لواء الحرية والتقدم، كما كان يمثل بلاده في وضع أسس متينة لحياة جديدة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٦٢