دعوة الحق، س4، ع 5 /فبراير 1961 .................... ص3
كلمة العدد: عطاء محمد الخامس
تلقى الشعب المغربي بحرقة ومرارة بالغتين نبأ وفاة محمد الخامس ولطالما جرب الناس كثيرا من المحن والخطوب وصادفتهم في حياتهم ضروب شتى من الرزايا والنكبات فغالبوها وتغلبوا عليها، أما أن يموت محمد الخامس فهذه صدمة لم يقو أحد على تحملها ونبأ لم يكن أي شخص يرغب في تصديقه؛ ان اسم محمد الخامس لم يقترن أبدا في ذاكرة الشعب المغربي بالموت بل كان رمزا خالدا للحياة الخصبة الطافحة بالأمل والبشر الغنية بكل لون من ألوان الحركة والخلق والإبداع، لقد أحسسنا جميعا ونحن نبتلع الخير المرير أن شيئا يتمزق في صدورنا وأن غصة ثقيلة تحتبس في حناجرنا، خانتنا كل وسائل التعبير فاجهشنا بالبكاء، وتعالت أصواتنا بالتهليل والتكبير وخرجنا جموعا إلى الشوارع نتواصى بالشيء الذي فقدناه جميعا بالصبر، إن وقع الفاجعة كان أقوى من قدرتنا على التحمل وأشد من طاقتنا على التجلد والثبات لقد سلخ محمد الخامس منذ أن تولى عرش هذه البلاد ثلاثا وثلاثين سنة من عمره في الكفاح والتضحية ربط خلالها مصيره بمصير شعبه، لم تثنه الخطوب ولم تفت في عضده النوائب، بل كانت تزيده دوما إيمانا واقتدارا. ولقد أعطى المثل في كل مناسبة امتحنه الاستعمار فيها، وسجل أروع بطولة في التاريخ يوم تنازل عن العرش الذي أراده الاستعمار أن يكون عرشا على الشعب ولم يرده محمد الخامس إلا عرشا للشعب.
لقد كانت حياة محمد الخامس تقوم كلها على العطاء فقد أعطى شعبه البطولة في أجل وأقدس معانيها، وأعطى شعبه الوحدة في أجمل صورها إذ لم يعرف التاريخ ملكا من الملوك تجمعت حوله الأمة بكل طبقاتها وطوائفها مثل محمد الخامس، وأعطى شعبه الاخلاص والمحبة فلم يترك فرصة من حياته إلا واستثمرتها واستغلها لصالح هذا الشعب فكانت كل طبقة وكل فئة من هذا الشعب تشعر من صميمها أن محمدا الخامس يمنحها كامل رعايته ووافر عنايته ويعطيها من وقته وتفكيره ما هي جديرة به.
فإذا بكى الشعب المغربي اليوم بجميع طبقاته وطوائفه محمدا الخامس فلأن هذا الملك لم يكن ملكا لطبقة معينة ولا لفئة خاصة بل ملكا للجميع ملكا للإنسانية التي فقدت بموته أحد أنصار الحرية ومحبي السلام.
وإذا كان هناك من عزاء للأمة في هذه الفاجعة المؤلمة والخسارة الفادحة فهو صاحب الجلالة الحسن الثاني الذي حرص جلالة والده المرحوم حرصا شديدا على تربيته تربية ثقافية وخلقية كاملة وإعداده إعدادا جيدا لهذا اليوم بالذات لقد ترك له الملك الراحل زادا وافرا من التجارب وتراثا قيما من الدروس والعظات، وان الشعب الذي بادل والده حبا بحب وإخلاصا بإخلاص مستعد بنفس القوة وبنفس الحماس للمضي معه في سبيل اتمام الرسالة التي بدأها محمد الخامس ومواصلة السير والزحف نحو الأهداف الكبرى التي تتطلع إليها هذه الأمة. ولنا كامل الثقة ووطيد الأمل في أن همة ملكنا الشاب وعزيمته في مستوى تلك الرسالة وهذه الأهداف.
تغمد الله الفقيد الراحل بواسع رحمته وألهم أسرته الكريمة وشعبه الوفي الصبر والثبات وحقق على يد خلفه الصالح الملك الحسن الثاني كل خير ويمن وبركات.
دعوة الحق